“قصائد مترو نيويورك” للشاعر الكولومبي أجواساكو: عيش الحياة بالشعر والفن والموسيقى

هاشم شفيق
حجم الخط
0

نشهد دائماً في عواصم ومدن وبلدات أمريكا اللاتينية ازدهار وانتشار عالمَي الفن والأدب، فمن الفن تتسلل الموسيقى والرقص والغناء، والفن التشكيلي والمسرح والسينما، ومن الأدب ينضح الشعر والقص والرواية، بالرغم من الأجواء السائدة في هذه البلدان كالفقر والعنف والفساد، وذيوع عالم الجريمة المنظمة، والعصابات التي تنشط في تهريب المخدرات، وترويجها والإتجار بها، وشيوع الديكتاتوريات، والثورات، والانقلابات العسكرية، نجد عالم الشعر يسطع ويلمع وينتشر بين الناس، كالخبز والزهور، والأشياء الجميلة، فالشعر في كولومبيا تراه دائماً في حالة لمعان، ونماء وذيوع، ومهرجانات الشعر في كولومبيا ماركيز الروائي الشهير، تتشابه والعالم العربي، وهذا يتأتى من جمال الشعر الكولومبي، وارتباطه بالحياة والطبيعة والناس، وكذلك بهمومهم، ومشاكلهم، ومصائبهم اليومية، وهي لا تحصى كالعالم العربي، ومن هنا يكون الشعر مثل مرهم يعالج الأدواء، ينظف الروح من العوالق، ويضيء القاع البشري، ويغسله من الشوائب والأدران، وما أكثرها في عالم اليوم، عالم الكولونياليات الجديدة، والتقانات الحديثة، والاحتلال الممنهج للعقل الإنساني، وبذا تدرأ الفنون عامة، ومن ضمنها الشعر هذه السُّدُم الثقيلة .

 بين أيدينا هنا الشاعر الكولومبي كارلوس أجواساكو وقصائده عن نيويورك، ومترو نيويورك، التي كتبها من خلال تجربة عاشها فيها، حيث جاء إلى هذه المدينة الصاخبة، والضاجة بعالم المال، والأضواء والشهرة، وعالم الفقر والمخدرات والانسحاق حيث الكل يتعايش، في هذه المدينة الغريبة، والمثيرة، وهي مدينة مُحبّة ومُعادية للشعراء في آنٍ، تارة تؤويهم، وتارة تلفظهم، حسب السِّر والقانون، والمذهب الكامن بداخلها، وحسب الأهواء والمنهج والسبيل الذي تسير وفقه وعليه، وشاعرنا الكولومبي عاش تجربة هذين الإقنومين، بكل ما تطرحه هذه التجربة من تجليات.

جاء أجواساكو، المولود في العاصمة الكولومبية بوغوتا 1975 إلى نيويورك عام 1999 ليقيم فيها، جاء دارساً، حتى نال شهادة الدكتوراه، وهي شهادة عالية نالها من جامعة ستوني بروك، وهو الآن ناقد وباحث ومترجم ومؤسس لمجلة “فن الشعر” وهي مجلة تنشر الشعر والسرد والقصة.

 يقول أجواساكو في أحد نصوصه السيروية: “لم أرحل عن بلادي لأسباب سياسية، فليس هناك ديكتاتور يجعلني ألقي بذنب مشقتي وتعاستي عليه، وبالمثل لم أرحل لأسباب اقتصادية، لم أكن غنياً، ولكن كان لديّ عمل ثابت ومستقر، لقد أتيت إلى نيويورك لأسباب شخصية، حضرتُ لأدرس وأصنع مستقبلاً”.

يضم الكتاب الذي ترجمته المصرية عبير عبد الحافظ، قصائد متنوعة، مستلة من تجربته الشعرية، ومن حياته، ودورانه الجمالي في اللغة الإسبانية، هذه اللغة الهائم بها الشاعر، والتي على حد تعبيره، أنه يعيش فيها ويعتبرها وطنه الحقيقي، لغة عمالقة الشعر العالمي، فكيف سيكون معه الحال، حين تنضاف إليه الإنكليزية، فهنا سيكون الإبداع مضاعفاً، فمترجمته المصرية قدّمته إلى العربية، بعد تدقيق واختبار ومعرفة بشعره، بعد أن غاصت في عالمه، ولمسته عن كثب، لقد التقت المترجمة بشاعرها، لكيما تتوصل معه إلى المسار الصحيح للعمل، وللنص الدقيق للترجمة، وكذلك راسلته، حتى اطلعت بشكل تام على تجربته الروحية والنفسية في نيويورك، لتُمسي على بيِّنة من عالم  قصائد “المهرّج وظله” و”قصائد مترو نيويورك” و”مغزل العالم”. تقول المترجمة: “في فصل المهرّج وظله تصل هذه الحرفية في الكتابة مداها، من خلال ازدواجية تتسم بها هذه القصائد وتذكر بسونيتات اللغة الإسبانية الكلاسيكية، أما قصائد مترو نيويورك فيتضح بها العنصر السيكولوجي، وتتسم بالصراحة والقوة والبريق، ويبدو مشهد القصيدة وكأنه من خلال كاميرا ترصده بدقة، وتعكس الواقع الذي يحياه الكاتب بتفاصيله اليومية والحياتية الدقيقة”.

كتب شعراء كثيرون عن نيويورك، كل من وجهة نظره، كيف ألهمته المدينة فناً، وما هي التداعيات التي خلفتها في خياله ورؤاه، وما هي التحوّلات الحديثة التي طرأت على بِنيتها، لتشيّد هذه الصّروح العالية، تلك التي تثقب السحاب، كيف هم الناس الذين يعيشون بين ظهرانيها؟ وما هي أحلامهم وتطلعاتهم؟ وسط عالم الرأسمال والبورصات واللهاث السريع باتجاه أعلى مراحل الرأسمالية. من قصيدة نيويورك نختار:

“يمكن تعريف هذا العالم بالازدراء والغطرسة،

إيماءات تقزّز البشر،

كتف بكتف جلوسٌ في المترو،

نظرة ثابتة في الوسط تخترقك ….

لمن يتفحّصك دون أنْ ينظر إليك،

سيكون ضرورياً مقتل جون لينون

ومواجهة السوداوية”.

ثمة حس سودواي، وروح بوهيمية وعدمية تشغل أغلب قصائد الشاعر، روح تستدرج اللوعة والحيرة والتفجّع، على العوالم الرومانسية، تلك التي تكاد تنقرض وسط عالم السرعة اللاهثة، والإنسان المُصنّع، والمعروض للآلة، وللماكنة الجشعة التي تعمل دون كلل، من أجل التهام كل شيء، والشاعر أجواساكو يؤكد غالباً على الإنسان والمدينة:

“مانهاتن عاشقة في الأربعين،

منهكة وقذرة،

منهاتن، رائحة الفودكا في الأفواه

والوعد بالمتعة،

تمرّ إلى جواري وتغمز بعينها،

أهرع إليها بزجاجة في يدي،

أرغب أنْ أحبّها في كلّ نواصيها،

أنْ أخبرها باسمي بصوت مسموع

وأحاول ألا تنساه”.

يتحدث الشاعر القادم من العالم الثالث، إلى أشهر مدينة في العالم، عن عالمه أولاً، ثم عن العوالم النيويوركية، فثمة بون شاسع، ومسافة فكرية ورؤيوية وجمالية بين العالمين، فعالمه بسيط، فقير، مدهش وساحر، وفيه بكوريات، فيه أصالة ما، وعالم نيويورك تتخلله المدنية المسرعة، الصارخة في مباذلها، وطريقة تفكيرها، ونمط عيشها، وفي مساق السلوك الذي اختارته كحياة جديدة لعالم جديد:

“يجب أنْ تكون نيويوركيّاً تماماً،

وأنْ تنسى ما هو وقت الفراغ،

يجب أنْ تكسب دولاراً في الدقيقة

وتنفقه في الدقيقة التالية”.

وعن المهاجرين، وعالمهم السفلي، ومشاريعهم، وحياتهم التي يعيشونها، وسط اصطراع القيم والمبادئ والأوليات، تلك التي عرفتها الحياة كمنظومة إنسانية لا يمكن للمرء أن يحيد عنها، لينغمس رغماً عنه، في جو المسوخ والمهاوي التي تدّخر وتخبّئ العوالم الشريرة:

“المهاجر الحديث يحاول مضغ لسانه

من يفقد أحد أسنانه باحثاً عن عمل

من يفقد كلّ أسنانه بسبب العمل

من يكذب بشأن موقفه كمهاجر،

من يتركهم يكذبون عليه ويدّخر بعضاً من عضوه،

الفتاة تهجر حبيبها ساكن الكهف، وتحب مواطن المدينة،

الشاب يخون امرأته مع عجوز الطابق الرابع”.

في أشعار الكولومبي كارلوس أجواساكو تتبدّى روح نقدية عالية لكل ظاهرة تتمظهر وتتجلى في عالم نيويورك، وهو هنا يبدو كالراصد للتفاصيل الصغيرة بعينه الشاعرية، التي تشبه كاميرا فنان، تشبه عالم السينما الذي يدقِّق ويمحِّص في الأشياء الصغيرة:

“كلماتي رياح باردة تقطع الأذن،

من الأفضل التزام الصمت ومتابعة الطريق بحثاً عن مأوى،

أنعسُ في الحافلة وأحلم بكلمة تصبح سهماً

قطعة مثلثة من الثلج قادرة على عبور الأطلنطي،

حمامة من الرياح الباردة، ومن المياه تصل إلى بيتي،

خيال شفيف ينحدر فوق صورة أُمي، يجعلها تدرك أنني على قيد الحياة”.

يتكئ شعر أجواساكو أحياناً على الاستعارة والكناية، والتعبير الساخر، الممزوج بالملامح الغرائبية للتعبير، والمستنزحة من أفقه الكولومبي:

“نحن يا أُمّاه

من زمن آخر،

فجلدنا جلدُ طبل

ولن نفقد لهجتنا أبداً”.

وفي مكان آخر يثب ليخبرنا عن ذكرياته، في كولومبيا وعن الأم التي ترد دائماً، يتذكرها، ويناجيها بحرقة وعبر أسئلة دائمة، ويحاول أن يغوص في تلك الذكريات البعيدة عنه، وهو هائم وضائع في متاهات نيويورك:

“تقضّي الحياة في الذكرى

في إصلاح الذكريات”.

يسوح الشاعر أجواساكو في الماضي، ويمتص الذكريات، يزيّنها، ويعيدها جميلة إلى الحياة، وبالأخص ذكريات الطفولة مع أمه التي تأخذ حصة كبيرة من الكتاب، ولكي لا تتعبه الذكريات، يودّ أن ينسى، وأن لا يعيد الكرّة مع بعض عذاباته، العذابات التي تلقاها في الحياة، فالنسيان هو الطريقة المثلى لمحو تلك العذابات والمآسي التي ظلت تصادفه في الحياة:

“سوف نلد هذا النسيان والمسافة

وخيبة الأمل، مثل من يرطّب شفاهه بالخل

مثل من يبارك من يأتي ليعدمَه،

سوف نلد هذا النسيان

فلا تفقد حماسك.

لكن رغم الظروف التي مرّ بها هذا الشاعر الكولومبي في العالم الجديد، عالم السرعة، والمقوّضات الكثيرة لعالم الفن والإبداع والخيال، راح كارلوس اجواساكو يتقدم في نيل العلم، فهو حاصل على درجة الدكتوراه في اللغة والأدب الإسباني، هذا فضلا عن نيله جوائز عديدة في مجالات الأدب والفن، وأسّس مهرجانات شعرية عالمية .

كارلوس أجواساكو: “قصائد مترو نيويورك”

ترجمة: عبير عبد الحافظ

المركز القومي للترجمة، القاهرة 2019

125 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية