للأدب الصيني تاريخ طويل مع الواقعية، والواقعية الاشتراكية، ولا سيّما أثناء فترة الثورة الثقافية، التي قادها الزعيم الشيوعي الصيني ماوتسي تونغ. فترة جنّدت الفكر، والثقافة، والأدب، والمعرفة، لخدمة الرؤى الماوية، تلك المتماثلة إلى حدّ ما، مع الرؤى الستالينية، والكولخوزات التي سادت إبان الحقبة الشمولية، في الاتحاد السوفييتي. زعيمان شيوعيان عالميان، نادا بتحويل الثقافة في خدمة البروليتاريا، والفلاحين، ومن هنا كان انكفاء الأدب في هاتين الحقبتين، وفي كلتا الدولتين، فأصبح في تلك الأزمنة عبارة عن شعار أدبي، وبيان ثوري، ورمز حزبي، تأسره الأفكار الضيّقة، والعالم المحدود، والتراث الشعبي، لينأى بعد ذاك الخيال، والتحديق في الأباعد، والرحيل تجاه المستقبل، ويختفي بالقوة النقدية للواقعية الاشتراكية، السحر، والتخليق، والمتخيَّل والتردّد الباطني للمعنى، والشكل الفني، والبنية الجمالية للنص، كالقصيدة، والقصة، والرواية والمشتقات التعبيرية الأخرى .
غير أنّ ذلك لم يستمر طويلاً، وخصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، والتململ الذي سبقه، في كل من تشيكوسلوفاكيا (سابقا) والمجر، ثمّ انفتاح الصين على العالم، بالتدريج بُعَيد الثمانينيات، واقترابها من الحداثة الأوروبية التي بدأت تغزو العالم كله، منذ أربعينيات القرن الفائت .

كل ذلك الضغط على الإبداع الصيني، كان قد فجّر الطاقات الكامنة، والموجودة أصلاً، لدى النخب الثقافية الصينية، المهمومة بالتجديد، والتخطي، وتجاوز ما سلف، من حواجز، ومعوّقات، وأسلاك شائكة، قد وضِعتْ في الحقب الماضية، لتعيق تطوّر الأدب الصيني .
في ظل هذا التحوّل المتنامي، انطلقت الرؤى الجديدة، حافرة مجراها الدينامي، والمتواتر، تجاه الأدب الحالم، والساحر، والغريب، ليصوغ هو، أي الأدب، جمالياته الخاصة لبلد مثل الصين، زاخر بالطاقات
والفلسفات الإنسانية القديمة، تلك التي تُحاكي جوهر الإنسان، وهواجسه الداخلية، وتجاربه الوجودية .
ونتيجة لهذا التبدّل في المسارات الإبداعية، ظهرت أسماء بارزة، وكبيرة، وحالمة في الأدب الصيني، تستند تجاربها إلى وعي خلاق، وخيال متدفّق، ومنافس حتى للأدب العالمي، رغم تأثر الأول بالأخير، ناهلاً من أفقه الفني، ومن السمات، والملامح، والمعين الذي ميّز الأدب الأوروبي، ذاك المتّسم بالحرية، والانطلاق، والانعتاق من كل أسر يحاول حصره في زاوية ضيّقة، أو بوتقة ما.
من بين هذه الأسماء يبرز اسم مويان الحائز على جائزة نوبل، وهان شاوكونغ وجانغ وي وجلهم تأثر بتجارب وليم فوكنر وماركيز أحد ممثلي الواقعية السحرية، وثمة من تأثر بسلنجر وفرويد، أما كاتبتنا تسان شيوي، وهي حديث هذا المقال، فقد تأثرت بكافكا، وبورخيس، وكالفينو، والفلسفة الوجودية، ولذا تسمى في الأدبيات، والمقالات، والدراسات التي تتناول تجاربها الكتابية، والإبداعية، والروائية بـ “كافكا الصين” .
تتميز قصص “غرفة فوق التل” لتسان شيوي، بالغموض المحبب الذي يدعو القارئ إلى التفكير، والتأمل ببواطن القص، والحكي والسرد، والتبليغ حول تفكيك بنياته، وتداعياته، وأسراره الكثيرة، ذلك أن العمل المظلل بهالة من الإبهام يثير القارئ، بغية مشاركته في النص، وتحليل مفاصله، والكشف عن مغازيه ونواياه، ثم غزو أركانه لتقويض عمارته الفنية، وأسفلة هذا العلوّ، بجعله قابلاً للتشخيص، والتدقيق، والفحص الماثل للتأويل والمشاكلة .
تتمظهر الغرابة اللذيذة، منذ بدء القصة الأولى “أوراق الزهور الأرجوانية” وهي تحكي قصة زوجين وحيدين، متقدّمين في السن، يعيشان في الطابق الأول من مبنى عتيق مبني في الخمسينيات، لديهما أثاث مغطى طوال الوقت، خوفاً عليه من الغبار، وكأنهما في حالة سفر، ولديهما حديقة في الأسفل حيث جاء زوجها ببذور وزرعها في باطن التربة، وقال لزوجته إنها بذور نادرة قد حصل عليها من أحد أقاربه، وإنها تنبت وتترعرع في باطن التربة من الأسفل، من دون أن تظهر لها براعم، مما استدعى ذلك إحدى الجارات، إلى طلب البعض من هذه البذور المميزة، لغرض غرسها في حديقتها أيضاً، لتكتشف زوجته فيما بعد أنها حصوات صغيرة ليس إلا، وهكذا تتوالى الرموز في مسار القص، لتبدو في النهاية مثل أسرار دفينة .
القصة التي تليها هي أيضاً تدور في فلك حلمي، تؤطرها كيمياء سحرية، تتحدث عن رجل مفسّر للأحلام يجلس في كوخه، ليل نهار، فيمرّ به العابرون، يجلسون أمامه، ويسردون الحكايات له، من أفواههم التي تتدفق بالكلام، المروي عن الحلم، كل حلم له قصّته ورؤياه، المُفسّر رجل هادئ، يجلس على الأرض، ويستمع للكلمات المنهمرة، فيسجّلها في دفتر ضخم، كل حلم هو حكاية بشرية، العابرون يسردون، وهو يكتب بدون كلل وملل، أو مقابل، سوى أنه يفسّر، ويفك الألغاز، حتى يمتلئ الدفتر بالمعاني الحالمة، ولم يعد فيه مجال للكتابة بعد، فيقرّر شارح الرؤى، في النهاية رمي كنز الحالمين، بين الخرائب، والتخلص من تبعات الأحلام، والحالمين الذين باتوا يتناقصون في المجيء إليه، وهو أيضاً بدا ذهنه منشغلاً بأمور تخصّه، ثمّ صرفته عن الإنصات للحالم بشكل حسن، كان يتظاهر بأنه يسمعهم، بينما هو كان يغوص في داخله، باحثاً عن سرّه وحلمه الدفين .
ثمة قصة أخرى تدور أيضاً في فلك فاتن، تتحدّث عن عمّ الراوية، الذي تقدم في السن، وقد أصبحت له عادات غريبة، من بينها، كما كان يصرّح هو، أنه بات يهدي بعض أصدقائه أشياءه المنزلية، وبعض خصوصياته، كالساعة اليدوية، والملابس وبعض التذكارات، وغيرها من الثمائن، غير أن الحقيقة هي غير ذلك، فالرجل كان يذهب يومياً إلى المقبرة، يحفر فيها ويدفن أغراضه هناك، في أكياس داخل حفرة، خوفاً من سرقتها ممن يأتي إليه من الأقارب. ذات يوم تبعه قريب له إلى هناك، فوجده يحفر في المقبرة، فظنه يحفر قبره تحسّباً للموت، ولكن حين زار المقبرة مرة ثانية، وألقى نظرة على الحفرة، رأى القبر قد أمسى كبيراً، فظن أن القبر له ولزوجته التي كان يكنّ لها الود والاحترام.
قصص مثيرة تترى في الكتاب، جلها ينتمي إلى عالم الواقعية السحرية، عالم الوقائع الغريبة، والفانتازيات الجميلة، أو عالم الواقعية المحفوظية، حيث ذوبان الواقع بالخيال، كقولها في قصة “الناموس وأغنية الجبل” وكما يتبيّن من سرد الراوية المتمثل بضمير المتكلم : “كنت في ذاك الوقت، ابنة خمس أو ست سنوات تقريباً، شغوفة بأن أمضي وراء عمّي في التل وهو يحتطب، نسلك الدرب فيتجه بي إلى جذع شجرة مقطوعة، حيث أبقى جالسة، في انتظار عودته، يتبدد مرآه بعد أن يدلف وراء أشجار الغابة… بيد أني كنت استمع بين ساعة وأخرى إلى صوته الأجش يشدو بأغنية جبلية، يحمل الحطب وينزل من الجبل منحدراً من الدرب القريب، كي يحوّطني على الدرب بصوته، فتشملني راحة الأنس به، تنزل بي السكينة، مع أنه كان يدعني في كنف جبل مليء بمكامن الرهبة والخطر، ولا غرو أن قلبه المترع صفاء وثقة لم تكن تغشاه الوساوس”. وكما بدا في القصة، فإنها تحكي عن طابع الحياة والصداقة، فعمّ الفتاة صديق درويش، متجول، صعلوك ومهمل الخلقة، رث الثياب، غير معتن بلياقته، ولكن هذا الدرويش لديه صوت جبلي مفعم بالرقة والحنو والألفة، وكان صدى صوته يتردّد بين الجبال والغابات، فيأتي من بعيد ليخترق منزله ويؤنسه في وحدته، ويشمله بجمال ما تبقى من حياة .
وكذلك الأمر مع قصة “العمة شياكو” وهي عمة أم الراوية في القصة، والقصة بورخيسية بامتياز، تحكي عن عمّة منسية، جاءت إلى بيتهم ذات يوم، بعد أن توفّيت من كانت تعتني بها، من قريباتها، تحمل هدية لها، والهدية عبارة عن كتاب مذهّب، وعتيق، وذي ورق محفوف ومهترئ، كانت قراءته تصعب عليها. في يوم ما، أصرّت الفتاة على قراءته لتجد: “ما أن فتحت الكتاب حتى طلع لي نمر، قفز طالعاً من بين سطوره، فأغمي عليّ ولم أدر بشيء بعد ذلك، فلما صحوت وجدت آثار مخالبه على يدي … وفجأة رأيت الأسطر تتحرك بالكلمات الصغيرة، تنتقل إلى الهامش الخالي عند حافة الصفحة، ثم تتلاشى سريعاً، وفوراً تجلت مكانها ألفاظ أخرى أصغر منها حجماً لكنها مفهومة”.
ضمّ الكتاب إحدى عشرة قصّة لافتة، مع مقدمة ضافية، ووافية، وعليمة بالنصوص ولغتها وأسرارها، أي اللغة الصينية، مصحوبة بعربية نقية، ومشرقة، أنقذت النصوص من التعالق اللغوي، والتعاضل التعبيري، اللذين يصحبان بعض الترجمات، وبالأخص تلك التي تُنقل من اليابانية، والصينية، والكورية إلى العربية .
تسان شيوي: “غرفة فوق التل”
ترجمة: د محسن فرجاني
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2018
299 صفحة.