ما تحتاجه الشعوب العربية اليوم هو مشروع ثقافي جاد للنهوض بالعقول، ويجب بدون أدنى شك الوثوق في تأثير الثقافة على الإنسان، لإخراجه من أنفاق الغرائز الحيوانية، ودوّامات العنف التي تعصف به، حتى تحوّل الفرد العربي كائنا يقاتل نفسه إن لم يجد من يقاتله.
أتحدّث عن مشروع نهضوي حقيقي، بعيد تماما عن كل المشاريع السابقة التي قامت بها أنظمة معينة، فكوّنت أشباه المثقفين، الذين يدعمونها، ويوجهون الرّأي العام، ويصنعون واجهة وهمية للعالم، تخفي الصورة القاتمة لشعوبنا.
في تاريخ بلداننا العربية، جرح عميق، لا يزال ينزف، فقد سجن المثقف الحامل لرسالة تنويرية، ونفي ومات عدد لا بأس به في تلك السجون المغلقة، وتشرّد آلاف الشعراء والكتّاب والعقلاء في البلدان الأوروبية والأمريكية طلبا لحياة كريمة في كنف أنظمة تحترم إنسانيتهم. وإن كنا في زمن مضى لا نعرف ماذا يحدث في دول مجاورة، ولا حتى في عقر بلداننا، فاليوم انفتح العالم على بعضه بعضا، وأصبح التواصل مع ذلك المنفي أو الهارب من قمع نظام بلده أسهل من لقاء صديق في المقهى المجاور، بل إن من عجائب شبكات التواصل الاجتماعي أن أصبح تجنيد مراهق أوروبي مدلل في صفوف «داعش» ممكنا، وأصبح نقل إنسان من النّقيض إلى النقيض يحدث بكبسة زر، وأصبحت الأنظمة المغلقة، التي طالما اعتبرت نفسها محصّنة من أي اختراق، تقف عاجزة، وهي معرّاة تماما من أسمالها.
لقد تحوّلت العقول المريضة، والمعطوبة نتيجة تجهيلها على مدى عشرات السنين، إلى نقطة ضعف هذه الأنظمة، التي لم تعد تعرف كيف تحمي نفسها، فالواحد منّا في لحظة مرضه يستنجد بالطبيب والصيدلي، وفي لحظة انتكاسته المالية يستنجد بخبير الاقتصاد، وفي لحظة خلافه مع جيرانه أو مع أخوته، يحتاج لمُصلح عاقل، يقرّب وجهات النظر، ويكون محضر خير بينهم، وهذا لا يتمثل إلا في سياسي محنّك، تدرّب على لغة المحبة قبل لغة الكلام، ومَنْ يبث هذه الحكمة، في أشخاص يعتمد عليهم، غير الأدب والشعر، فكلاهما خلاصة وعصارة لتجارب إنسانية، نلجأ إليها في وقت الشدة، وهي مثل القرش الأبيض الذي نخبئه ليومنا الأسود.
ومن بين إحدى أهم التجارب التي يجب أن نلقي عليها الضوء التجربة البولونية، التي حضّر لها قبل عدة سنوات بعديد من المؤتمرات بحثا عن حلول شاملة للرقي بأساتذة المدارس والجامعات، وكان الهدف الأساسي البحث في مشكلة التربية الثقافية، وتحديث تعليم ثقافي بالتنسيق بين وزارتي الثقافة والتعليم. هذا الخبر الذي لم يعن العالم العربي في شيء، يبقى بعيدا تماما عن هذه الرؤية التصحيحية التي رفعت من قيمة التعليم وضاعفت ثماره، وغالبا كان القلق يشوب وزارات الإعلام والثقافة عندنا بدمجهما معا، أو التخلص من واحدة، والأمر كان سيان دائما في إنتاج مزيد من الفشل في مجتمعاتنا، إذ ظلّت البرامج الإعلامية والثقافية مجرّد إنفاق غير مدروس على مشاريع غير مكتملة النضج، يغامر بها موظفون تنقصهم الخبرة.
لقد تحوّلت العقول المريضة، والمعطوبة نتيجة تجهيلها على مدى عشرات السنين، إلى نقطة ضعف هذه الأنظمة، التي لم تعد تعرف كيف تحمي نفسها.
لقد تساءل البولنديون لماذا لا تقدم جهود التعليم عندهم النتائج المرجوة؟ وقد جاءت خلاصات البحوث والدراسات التي قاموا بها متفقة على حقيقة واحدة، وهي أن نوعية التعليم متوقفة فقط على تقديم المعلومة، بدون دعمها برؤية ثقافية لها أبعادها التربوية، وقد لاحظوا أن المؤسسات الداعمة لبرامجها بنشاطات ثقافية، تحصل دائما على نتائج أفضل، وتلاميذ أكثر وعيا، وهذه النتائج كانت سببا لفتح سجال كبير، لفهم «التعليم الثقافي» جيدا، واستخراج نظرية ترتبط بفهم واسع يشمل الأنثروبولوجي والاجتماعي والثقافي معا، والحصول على طريقة صحيحة لتطبيقه. كان الهدف بعيدا عن تسليع الثقافة، بل ذهب مباشرة في خط تحسين الكفاءات بإدماجها في أجواء زاخرة بالمسرح والسينما والقراءة والفن، لا جعل المتعلمين مجرّد عناصر استقبال، بل عناصر فاعلة ومنتجة لحراك ثقافي. إن ما نجهله أو نحاول تجاهله، هو أننا نعيش في منظومات ثقافية مختلفة، وهذه المنظومات هي السبب الرئيسي في نجاحنا أو إخفاقنا كمتعلمين، وإداريين لأمورنا. وكلما كانت الدائرة الثقافية ضيقة، كان الفشل حليفا للمنتمين إليها، ولعلّنا من باب الفضول فقط، يمكننا أن نرى بأنفسنا أن اتساع تلك الدوائر، يمنح المزيد من الوعي والمعرفة والكفاءة، كما يعمل على تعزيز العلاقات الاجتماعية، وتحرير المواقف من النظرة الأحادية المتزمتة، ودعم الهويات الثقافية التي تكون أكثر وطنية من تلك التي ابتدعتها أنظمة مستحدثة، اعتمدت البناء الأيديولوجي للإنسان، بعد إفراغه من هويته الثقافية.
في مثل قديم يقول: «لو لم تكن شجرة الصبار مزهرة لما أعطت ثمارا بل أشواكا» خير دليل على أن الزهرة الجميلة هي سر الثمرة، تلك الزهرة هي التربية الثقافية التي يجب أن نصبو إليها جميعا، ونرعاها، ونتوخّى الحذر من تقليمها أو قطفها قبل أوانها. أمّا أهم ما يمكن تحقيقه من تربية ثقافية غنية، هو إنتاج أفراد ينعمون بالحرية والقوة، وكلما حرم الفرد من هذه النعمة، تحوّل إلى كائن فاقد للثقة في نفسه، خائف، يرتعب من كل هبّة ريح عليه من ثقافات أخرى، وفي الغالب يلجأ للعنف والسبل البدائية للدفاع عن نفسه، كونه يشعر بهشاشته وإمكانية اختراقه. أليس هذا ما تعرّضنا له بالضبط؟ حين جُرِّدنا تماما من كل مكونات قواقعنا الثقافية الأصلية، وعُرِّضنا مثل مساجين المعتقلات لأضواء اصطناعية قوية، لم تحتملها أجسادنا ورؤسنا. أراهن على أن الضياع الذي يعانيه الملايين من أبناء أمتنا ناتج عن ذلك السلخ، والتخويف من ثقافة الآخر، إذ لا يمكن لشخص محاصر ومرعوب لسنوات طويلة أن يبقى سويا.
ثمة شيء آخر يجب أن ندركه، وقد اختصره الفنان الفرنسي ساشا غيتري في قوله: «يمكننا الحصول على الفخامة بالمال، لكن الأناقة لا نحصل عليها سوى بالتربية والثقافة». أجد في مشروعنا النهضوي هذا أكثر الحلول نجاعة لشفاء مجتمعنا من أمراضه وجراحه وأوجاعه، ولكن صعوبة تحقيق ذلك شبيهة بالنحت على الصخر، خاصة ونحن أمام شتات كبير للطاقات الثقافية، المبعــــثرة هنا وهناك.
ولا حلّ فعليا للسقوط الأيديولوجي الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه، سوى بالمداواة الرّحيمة التي يملكها المثقف الحقيقي، المتبصّر، المتأمّل، الرّاجح العقل. لا شيء يمكنه إصلاح كل هذه الشروخ الموجعة غير تعاون جاد بين المؤسسات التعليمية والثقافية، لا بشكل إداري، بل بطريقة فيها حياة وتناسق وتمازج، فالإنسان يولد مبدعا وإلا لما اخترع كل ما نستعمله من تكنولوجيا وأجهزة متطورة، لا أدري من أي باب يمكن أن نبدأ، ولا أحب أن أشير لبلد عربي بعينه بعد نجاح تجربته، أحب للقارئ أن يتأمل ويستنتج بنفسه، ثم يبدأ بنفسه بالنحت على صخرته الخاصة، ليحرّض غيره.
٭ شاعرة و إعلامية من البحرين