ليانة بدر في روايتها ” الخيمة البيضاء”: توثيق للتراجيديا اليومية الفلسطينية وفضح همجية المحتل الصهيوني

هاشم شفيق
حجم الخط
0

  في البدء كان الشعر قد كشف بطرقه المجازية والاستعارية والرمزية، النوايا التلمودية للمحتل الصهيوني القادم من أراضٍ أخرى، وتاريخ آخر، وعالم مختلف، شديد الاختلاف عن أرض الواقع الفلسطيني، تراثه ولغته وهويته العربية، وطابعه الأسطوري الكنعاني، ذلك ما كان يميز الشعب الفلسطيني فاقد الأرض المباركة، من قبل المحتل ومعينيه من قوى كولونيالية، بطرياركية تسلطت على الدول الناشئة غداة وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، واحتلت غب معاهدات عقربية سامة الدول العربية الغنية بالموارد البشرية والمادية والميثولوجية .

هنا كان للشعر دوره التاريخي العام والفاعل في تثوير الحالة العربية الآيلة إلى القبول والتماهي مع الآخر، فراح الشعر يدك الفكرة الاستعمارية، قصائد لاهبة للرصافي والزهاوي والجواهري، وأبي القاسم الشابي وابراهيم طوقان وابراهيم ناجي ومحمود حسن اسماعيل وعلي محمود طه وسليمان العيسى، تحارب الفكرة الجهنمية للهيمنة الفرنسية والبريطانية على المقدرات العربية، وتتصدى بقوة المعاني والموسيقى الشعرية للوفادة الأجنبية، مما أدّى إلى اتساع الرقعة الجمالية الشعرية فيما بعد إبان مصادرة الأرض الفلسطينية، ومن ثم احتلال ما تبقى منها، لا بل تعدى ذلك إلى احتلال أجزاء أخرى من البلاد العربية، بعد حروب خاسرة، لدول مقيتة ساعدت المحتل، بكل قواها الغاشمة على التوسع، حتى وصلنا إلى هذا الحال المدمر من الخراب الكبير، ذلك الذي خلفه الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، إذ تمّ قضمها بالتدريج وبناء المزيد من المستوطنات على أراضيها، حتى بات الشعب يعيش في الحديقة الخلفية، على حد تعبير شاعرها الخالد محمود درويش، احتلالات متوالية للقرى والبلدات وقتل يومي للشباب الرافض للفكرة الصهيونية في التمدد على أرضه التاريخية، تهويد القدس، والتراث الروحي للشعب الفلسطيني ومصادرته علانية، بدءاً من الميثولوجيا الكنعانية وانتهاء بالزي والطعام والتراث والتاريخ القريب للمنطقة العربية .

على هذه الخطى النضالية واصل فيما بعد شعراء المقاومة الفلسطينية جمالياً وفنياً مسيرة تعرية كل هذه التداعيات الخطيرة للفكر المحتل، بدءاً بهرتزل وانتهاءً بأصغر فكرة فلسفية صهيونية معاصرة وحديثة، إلى أن اكتملت الصورة الأدبية وتآزرت بوجود روائيين وقصاصين عملوا إلى جانب رفاقهم الشعراء على توضيح ورسم مرامي الاحتلال وأهدافه وخططه التوسعية البربرية فوق أرض فلسطين العربية، مهد يسوع المسيح ومرتع خطى الآلهة الأولى ومسلك الأنبياء اللاحقين .

من ضمن الأعمال الروائية الحديثة التي تتناول التفاصيل اليومية لممارسات المحتل على أرض الواقع، عمل الروائية الفلسطينية ليانة بدر الموسوم بـ “الخيمة البيضاء”، وهو أحدث ما أصدرت الروائية في هذا الحقل السردي .

لليانة بدر تجربة طويلة مع الرواية والقصة، بدأتها منذ مطالع الثمانينيات في بيروت، هناك اطلعت على تجاربها الأولى، في هذين الحقلين، فضلاً عن عملها الصحافي الدؤوب الذي بدأته باكراً، ثم تابعتها بعد خروجنا من بيروت إلى دمشق، وظللت على صلة بما تصدر هنا وهناك من كتب وروايات. إنها دائمة التواصل مع الكتابة، ولم تنقطع عنها البتة، وتواصل كذلك نشاطاتها الثقافية الأخرى بالتوازي مع الكتابة وعملها الصحافي .

تستثمر الروائية في عملها الجديد، الدراما اليومية لشعب كامل رازح تحت ممارسات الاحتلال القمعية التي تستفحل مع مرور الوقت وتغدو أكثر عنفية ودموية، إنها سياسة الفصل العنصري، وبناء المعازل البشرية، كالجدار العازل الطويل لأرض هي أرضهم، وبناء الحواجز والمشبكات الحديدية للعابرين بين مكان وآخر .

تكشف الروائية بدر المأساة الكبرى للعابرين والعاملين والزائرين لأهاليهم وعوائلهم والمياومين لأعمالهم اليومية، تكشفها هكذا، معراة أمامنا، تعري أفعال وأعمال العدو، الشرير المصادر للجماليات وللإرث القلبي، حيث النهب المستمر للأراضي وللأمكنة التاريخية والعلمية والروحية المتعلقة بالديانات المسيحية والإسلامية، عمل مستمر دون توقف منذ عام 1948 وحتى اللحظة، توسيع المستوطنات غير القانونية وإحضار المزيد من الوافدين الغرباء إلى الأرض والتاريخ، من كل بقاع الأرض، والدياسبورا اليهودية قلبها المحتل، ليمنحها للفلسطيني الموزع في كل دول العالم، بعد أن أحتلت أرضه بقوة الحروب الامبريالية، وبقوة الإرادات الكولونيالية العالمية، المدعومة بالمال والسلاح والتعاطف الأمريكي الغاشم مع المحتل الإسرائيلي، الوافد والعابر في هذه الأرض، حسب المعنى الدقيق للكلمة العبرية، وهم حقاً وكما قال الشاعر محمود درويش “عابرون في كلام عاب “.

ترسم ليانة بدر بقلم فني وهندسي دقيق معالم تنقلات الشخوص الذين تحملهم الرواية بين تضاعيفها، ترسم الأمكنة التي يعيشون فيها بين هؤلاء الجنود المدججين بالأسلحة الأوتوماتيكية قرب منازلهم، وقرب أحلامهم وقرب مراتع الطفولة، لقد مسخوا كل شيء وغيروا الواقع الديموغرافي، لكل مكان يدل على هوية فلسطينية، والآن يعملون بكد واجتهاد فاشيين، على تغيير ملامح القدس الجريحة وكل الأماكن المقدسة الأخرى، ومن بينها الجوامع والكنائس والمعالم الأثرية العربية .

إن شخصيات ليانة بدر هي أبناء هذا المكان، مثل نشيد وندى وبيسان وخالد وغازي المعتقل في سجون الاحتلال وعاصي العائد من رحلة طويلة مع النضال الفلسطيني، امتدت لأكثر من ربع قرن قضّاها بين بيروت وتونس ودمشق، عاد المناضل الحالم بالعودة إلى تراب الأرض الأولى ومرابع الطفولة، فوجد نفسه يقع في شرك واضح، حيث يسود الفساد في بعض مواقع العمل الفلسطيني، عاد ليتقاعد ويرتاح فوجد النسق البيروقراطي سائدا في مرافق الدولة الوليدة، ووجد الإشاحة من السكان القدامى الخائفين من العائدين الذين ربما سيسعون إلى تجريدهم من أمكنتهم وأعمالهم، حسبما كانت تجري الشائعات حول الوافدين من الخارج، وهذا بالضبط ما حصل مع العراقيين العائدين من المنفى إلى أوطانهم، حيث وجدوا الصدود من أهل الداخل، والتشكيك بهويتهم وتاريخهم ونضالهم الطويل، هذا ناهيك عن سيادة الفساد، وشيوع المذهبية بين الناس التي أرسى النظام الجديد أعمدتها .

في ظل هذه الرؤية، لم يجد عاصي الستيني ضالته في المكان الجديد، لا بين أهله ولا بين المحتلين الذين يسعون كالجراد على هذه الأرض المحلومة “لقد ناضل طيلة عمره من أجل تحسين شروط الحياة لأبناء شعبه، تغرّب ودار ولفّ البلاد كلها، وركب سفينة لمغادرة بيروت، ومكث في بلدان عدة كي يظل في محور العمل النضالي، وعند عودته إلى بلاده فرحاً بالرجوع بعد سنوات طويلة صُدم”.

تميل ليانة بدر في الرواية إلى القاء المزيد من النور على الطابع الطبوغرافي للمدينة، فهي ابنة القدس، وتسكن رام الله، ذلك أنها على صلة بالمحيط العام للمدينة، وعلى تواصل مع الضفة الغربية، بحكم فنها الكتابي وصلتها الروحية بالأرض، وبذا مضت في كشف اليوميات الهجينة للمحتل، من خلال تعامله مع الفلسطينيين المقيمين، وتذهب عبر هذا التجوال، إلى تفكيك البعد اللاإنساني للغزاة، فهي هناك على أرض الواقع الساخنة، على التماس المباشر، مع أفعال الجيش الإسرائيلي وطرائقه البربرية في التعامل اليومي مع الفلسطينيين .

من هنا سيكون “هذا الميدان هو المكان الوحيد الذي تتفرع منه جميع الشوارع الرئيسة التي نشأت مع المدينة، من هنا يتحرّك الناس باتجاه وسط المدينة التجاري، ومن الجهة الشمالية يتجهون إلى شارع الإرسال الذي كان مقرّاً للإذاعة الفلسطينية القديمة، ومن الجهة الجنوبية يتجهون إلى متنزّه رام الله، ومن ثم إلى طريق غزة، ومن الجهة الشرقية يصلون إلى البيرة التي يطل جبلها الطويل على سهول الغور ووادي الأردن وجبال السلط”.

تتطرق الروائية خلال فصولها الثلاثة، إلى منع التجوال الدائم الذي يستخدمه الاحتلال ضد الأهالي، وكذلك تتطرق إلى الانتفاضتين الكبريين، وإلى العصيانات المدنية، والتظاهرات الدائمة، والمسيرات المندّدة بالواقع المحتل، والفصول المأسوية التي يضعها كل يوم لهم، من أجل أن تكبر الأسوار، وتتضخّم المحنة، وتُسد منافذ الأمل أمام المقيمين على أرضهم المقدسة .

تُظهر الرواية ثيمات عمل الفتاة نشيد وكذلك والدتها، وكلتاهما ناشطتان اجتماعيتان، هناك معتقلون أقارب لدى الاحتلال كشقيقها، وثمة أيضاً فتاة مطاردة من قبل قبيلتها كونها تكتب لمن تهواه، وعليهم الوصول إليها، قبل أن يغدر بها أهلها الذين يرون أنها خرجت عن مفاهيم القبيلة وأعرافها، في ذلك اليوم المحموم والمزدحم بالحواجز وجنود الاحتلال الذين يملأون الحياة الفلسطينية ويحولونها إلى نوع من التراجيديا اليومية .

تتحرك الرواية في أمكنة رام الله ونواحيها القريبة، زمانها هو يوم واحد، تتقاذفه حيوات كثيرة، ومشاغل لا تحصى للراوية العليمة التي تتحدث بضمير المتكلم، وكذلك شخوصها الباقين، كالعائد الذي تستغرقه الذكرى والأيام التي مضت وتقاسمتها المنافي البعيدة.

ليانة بدر: “الخيمة البيضاء”

دار نوفل، هاشيت انطوان، بيروت  1916

276 ص.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية