تفاجأ جل المتابعين للشأن الليبي بما يحصل في بلد عمر المختار من هجوم لقوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس وقتاله لقوات موالية لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج الذي كان وحكومته ومجلس رئاسته نتاجا لاتفاق الصخيرات الذي يرفض حفتر الاعتراف به. فالسراج وجماعته يحظون بدعم ايطالي ويحظون أيضا ومن خلال روما بدعم أمريكي وبريطاني باعتبار أن الايطاليين هم رعاة المصالح الأمريكية والبريطانية في ليبيا.
وقد أثارت جرأة حفتر على المجلس الرئاسي في طرابلس الكثير من الاستغراب والشك والريبة لدى عدد هام من المراقبين خاصة أن اللواء الليبي المتقاعد يوالي بدوره أطرافا غربية وعربية لا يتصور أنها في الأوضاع العادية تسمح له بالذهاب إلى هذا الحد رغم معارضته لاتفاق الصخيرات واعتباره في أكثر من مناسبة أن حكام طرابلس المدعومين من أطراف «إسلامية» لا يحظون بالشرعية. كما أن القوات التي في حوزة حفتر لم تكن، حسب خبراء عسكريين وعارفين بالشأن الليبي، تمتلك المعدات المالية واللوجستية الكافية لخوض معركة طويلة الأمد في عمق طرابلس.
غموض
فهل تلقى حفتر دعما عسكريا مكنه من القدرة على خوض حرب طويلة نسبيا بعيدا عن قواعده في أقصى الشرق الليبي وهو الذي عجز في السابق عن خوض هذه المعركة الحاسمة التي تقلب التوازنات القائمة رأسا على عقب؟ وهل رفع غطاء الدعم عن فايز السراج وحكومته ومجلسه الرئاسي ومن والاه من قبل حلفائه الغربيين وأعطوه لقمة سائغة لخليفة حفتر ليتولى مهمة ازاحته وبات الأخير الحاكم بأمره في معادلة ليبية جديدة قد تنشأ بعد أن تضع حرب طرابلس أوزارها؟
يتفق جل الخبراء والمحللين على أن الغموض هو الطاغي على ما يحصل اليوم في ليبيا خاصة بعد زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى ليبيا والتي التقى فيها رئيس الوزراء فايز السراج الخميس في طرابلس قبل أن يلتقي حفتر في شرق البلاد الجمعة. وصرح غوتيريش قبيل مغادرته بما مفاده أنه يغادر ليبيا وقلبه حزين ويشعر بقلق عميق. وأنه لا يزال يأمل بأن تجنب اندلاع مواجهة دامية داخل طرابلس وفي محيطها هو أمر ممكن.
تصريحات يستشف منها البعض أمرين لا ثالث لهما، أولهما أن الأمين العام يرفع اللوم والعتاب عن نفسه وعن المؤسسة التي يمثلها والتي رعت اتفاق الصخيرات الذي جاء بالسراج وجماعته إلى سدة الحكم في طرابلس من خلال هذه الزيارة، والإيهام بأنه يبذل مساع حميدة لحقن الدماء، ثانيهما أن هناك ضوءا أخضر ضمنيا لحفتر ليتقدم وينجز مهمة ما في قلب العاصمة طرابلس قبيل المؤتمر الوطني الذي سترعاه الأمم المتحدة في مدينة غدامس منتصف هذا الشهر.
ولعل إعطاء حفتر الأمر لقواته الخميس بالتقدم في اتجاه طرابلس لا يخشى لومة لائم، من الايطاليين ومن وراءهم، أي من ترعى ايطاليا مصالحهم في ليبيا، أو في الأمم المتحدة، يؤكد للبعض صحة هذا الطرح ويؤكد أيضا على أن هناك صفقة أبرمت ستنتج عنها معادلة جديدة سيؤكدها مؤتمر غدامس. وتحتاج هذه المعادلة الجديدة إلى تجسيد عسكري ميداني وفرض أمر واقع بقوة السلاح والقضاء على بعض القوى المعارضة لهذه الصفقة التي تلوح في الأفق، ويبدو حفتر الرجل المثالي لتنفيذ هذه المهمة.
وليس بالضرورة، حسب هؤلاء، أن يكون حفتر هو رجل المرحلة المقبلة الذي تراهن عليه القوى الفاعلة في ليبيا لتأمين مصالحها، ومن المرجح أنه يهيئ الميدان لبروز أطراف أو شخصيات جديدة ستكون فاعلة في المشهد الليبي في السنوات المقبلة. أي أن خليفة حفتر في النهاية بصدد أداء مهمة ما وحين تنتهي هذه المهمة ستتم إزاحته ليفسح المجال لفاعلين جدد في إطار «ديمقراطي سلمي» بعيدا عن أحذية العسكر ولغة السلاح.
ويرى هؤلاء أن الاجتماع الطارئ الذي عقده مجلس الأمن الدولي بناء على طلب بريطانيا لبحث التطورات في ليبيا، وذلك إثر دعوات دولية إلى ضبط النفس، كانت آخرها دعوة موسكو التي حذرت من «حمام دم» جديد في ليبيا، والقرار الذي انبثق عن هذا الاجتماع والذي يدعو حفتر إلى إيقاف عملياته في طرابلس، هو ذر رماد على العيون لا غير. فلو كان مجلس الأمن جادا في ردع حفتر لصدر القرار تحت البند السابع الملزم والذي يبيح التدخل العسكري وفرض العقوبات على حفتر وفريقه.
الجماعات الأصولية
ويذهب البعض الآخر إلى فرضية أخرى مفادها أن المستهدف من هجوم حفتر على طرابلس ليس السراج وحكومته والمجلس الرئاسي بل الجماعات المسلحة التي تحيط به وتقايضه بالحماية الأمنية مقابل الالتزام بخط سياسي ما. أي أن حفتر يتحرك بدفع من قوى كبرى، قبيل مؤتمر غدامس لإبعاد هذه القوى من المعادلة الجديدة دون المس بفايز السراج وما انبثق عن مؤتمر الصخيرات الذي ما زالت الأمم المتحدة تعتبره الأساس والإطار لأي اتفاق جديد ينشأ لاحقا.
ويستند أصحاب هذا الطرح على تصريح المتحدّث باسم قوّات حفتر، اللواء أحمد المسماري، الذي اعتبر فيه أن الهجوم على طرابلس هدفه تطهير غرب ليبيا من الإرهابيّين والمرتزقة. ويستندون أيضا على إعلان فصائل من مدينة مصراتة استعدادها لوقف الزحف المشؤوم لقوات حفتر على حد تعبيرها، إضافة إلى مشاركة قوة حماية طرابلس، في القتال ضد حفتر، وهي تنظيمات مسلحة ذات توجهات «إسلامية» تدرك أنها المستهدف الرئيسي من هجوم حفتر على طرابلس لذلك بادرت وصرحت وخاضت المعارك على الميدان وتصدت لخليفة حفتر.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن المؤتمر الوطني الذي سترعاه الأمم المتحدة منتصف هذا الشهر في غدامس بهدف وضع «خريطة طريق» تؤدي إلى إجراء انتخابات بعد الانتهاء من صياغة الدستور سيعقد في آجاله بدون مشاركة القوى التي يستهدفها حفتر في طرابلس. وأن الأخير في النهاية ليس سوى منفذ لسياسة تسطرها قوى كبرى وحين ينتهي دوره سيزاح طوعا أو كرها من المشهد الليبي بعد أن بات بلد عمر المختار كعكة بترولية تسيل اللعاب يسعى كل طرف لنيل نصيبه منها.
ويبدو أن المبعوث الأممي غسان سلامة قد فهم هذه المعادلة فحضر مؤتمر باليرمو الايطالية بشأن ليبيا ودعمه بحضوره وما يمثله وهو الذي ألقى بكل ثقله أيضا لإنجاح مؤتمر باريس الذي أزعج الايطاليين. فالرجل ورغم علاقاته المتينة التي يعرفها القاصي والداني بالفرنسيين منذ أيام الراحل رفيق الحريري وقبل ذلك بكثير، إلا أنه لا يدخر جهدا في سبيل إرضاء الايطاليين وما يمثلونه في ليبيا.
فاللعبة أكبر بكثير من خليفة حفتر ومن فايز السراج بعد أن تم تدويل الملف الليبي منذ عملية الإطاحة بنظام معمر القذافي ومنذ أن تم الاستنجاد بحلف شمال الأطلسي. فليبيا اليوم رهينة الاتفاق بين فرنسا المستعمر السابق للجنوب الليبي وبين ايطاليا المستعمر السابق للشمال والتي تستمد قوتها من رعاية مصالح العالم الأنغلوسكسوني في الساحة الليبية.
وحتى الأطراف الأصولية التي يسعى حفتر اليوم لإزاحتها من المشهد السياسي، إذا ارتأت القوى الكبرى أن من مصلحتها الاستنجاد بها لاحقا لتنفيذ مهمة ما ستعود إلى الساحة من أوسع الأبواب وقد يتحالف معها حفتر نفسه إذا طلب منه ذلك. وقد يطلب من هذه القوى يوما ما، بعد دعمها عسكريا، أن تزيح خليفة حفتر بعد أن تنتهي مهمته فتنفذ ما يطلب منها صاغرة وإلا سيكون مصيرها كمصيره، فلا قرار في ليبيا اليوم إلا للقوى الكبرى ولا أحد يتحرك دون إذنها وبدون ضوء أخضر منها.