بعض الأفكار اللسانيّة القديمة، سواء أكانت نحوية أم بلاغية تحتاج مراجعة في ضوء ما استقرت عليه علوم اللسان الحديثة اليوم. العلوم تُراجِع ما قبْلَها وهي نفسها قابلة لمراجعةٍ بعدها، فما العلم إلاّ حالة راهنة وليست أبدية عن تصوّراتنا للعلوم ما تفتأ أن تتغيّر.
ما قاله النحاة العرب عن التمنّي في أداته الطرازية (ليت) نجده من الناحية الدلالية قابلا للمراجعة، ولاسيّما في اعتباره حرفا دالاّ على شيء يعزّ أن يحدث فحين تقول: (ليت الشباب يعود يوما) فأنت تتمنى شيئا مستحيل الوقوع إذ لا يعود الشباب القهقرى، فالزمان خطّي لا رجعة فيه، لكنّ الاستحالة ليست في الأداة التي أفادت الأمنية، لكن في الفكرة نفسها من جهة مطابقتها للواقع وأيضا من جهة تأويلها من جهة وحيدة يكون محالا فيها رجوع الزمان إلى فترة سابقة. لكنّ العالم ليس وحيدا هو الواقعيّ الذي نعيشه فمن الممكن أن نتخيّل عالما آخر «ممكنا» يحدث فيه ما لا يحدث في عالمنا الراهن، ومن بينها أن يعود الشباب لمن أراد أن يعيده (وعلى فكرة ليس كلّ الناس يريدون استعادة الشببيبة فلكل عمر شعريّته في رأيهم).
الأمنيات هي تسمية نطلقها في عالمنا الحقيقي على ما لا يمكن أن يتحقّق لتعارضه مع منطق هذا العالم، لكنّ ذلك لا يكون كذلك في العوالم الموازية التي تتخذ لها أرضيات أخرى غير العالم الواقعي الذي نعيش فيه. لكنّ الفلاسفة الذين تحدثوا عن هذه العوالم اعتبروها طريقة كلّية كان يمكن أن يكون بها الكون، أي أن الكليّ الكونيّ هو أن يكون فيه، بالإضافة إلى واقعنا عوالم أخرى كثيرة موازية، ولذلك استعمل لايبنيتز Leibnitz في القرن الثامن عشر في أثره ثيوديسي Théodicée (1710) هذه العبارة معتبرا عالمنا أفضل عالم من تلك العوالم الممكنة، وهي فكرة سيسخر منها فولتير في كانديد، لكنّ المناطقة وعلماء الدلالة سيستثمرونها في دراسة ما يسمّى بدلالة العوالم الممكنة.
من الأسئلة التي تطرح حول العوالم الممكنة، والتي لا تعنينا هنا جميعا: هل العوالم الممكنة عوالم نحن نصنعها، أو هي عوالم موازية موجودة في ذاتها؟ وهل الموجودات فيها موجودات محسوسة بلحمها ودمها؟ أم هي مجرّدات؟ وإن كانت هذه العوالم مفارقة لعوالمنا، فأنّى يكون لنا بها علم؟ دلالات العوالم الممكنة تعتمد على فكرة قيمة الصدق (التي يختزلها البلاغيّون العرب في قابلية الصدق أو الكذب في الأخبار أو عدم قابليتها في الإنشاء). حتى تكون جملة صادقة أو كاذبة فإنّ ذلك يرتبط بالعالم الممكن، فإن كانت كاذبة لعدم مطابقتها مع عالمنا كانت تحيل على عالم ممكن مختلف عن عالمنا، فالحدس الذي للمتكلم هو الذي يحدّد هيئة العالم.
العوالم الممكنة تقتضي وجود أشياء وكيانات وأفكار ممكنة هي التي تترابط في ما بينها لتؤلف دلالات هذه العوالم. لا يعني هذا أن تكون لنا توليفات تحيلنا على عوالم عجيبة، يكون فيها الشباب قابلا للرجوع، وتكون فيها الحياة سرمدية ويكون فيها حبيبك في وصل لا هجر فيه، ويكون فيها الملوك عادلين والضعفاء أغنياء والكنوز ملقاة أمام الناس أن طمعوا في شيء أخذوه منها وتركوا شيئا منها لغيرهم! حتى يكون هناك عالم ممكن لـ (ليت الشباب يعود يوما) ينبغي أن يكون هناك عالم فيه شيوخ كرهوا شيخوختهم لأنها مؤذنة بموتهم، وهذا موجود في عالمنا الآن وهنا، وينبغي أن يوجد شيء اسمه الشباب، وهذا موجود في عوالمنا، وينبغي أن يكون الشباب في هذه العوالم أجمل ما يكون عليه المرء، وهذا أيضا موجود في عالمنا على الأقلّ في القوة والعنفوان والجمال، وينبغي أن يوجد شيء اسمه القدرة على رجوع الشيخ إلى الشباب، وهو المسمّى عودة الشباب: هذا ليس موجودا عندنا، بل قد يكون موجودا في عالم آخر هو العالم الذي لا يشبه عالمنا.
أن يتمنى الشيخ عودة الشباب، هذه أمنية إن لم تتحقّق واقعيّا فإنها بنت كوناً قابلا للتحقّق ويخبرنا أبو العلاء المعرّي عن شيء شبيه بهذا في جنانه الافتراضية حين حدثنا عن الأعشى، وكيف «صار عشاه حورا معروفا، وانحناء ظهره شيخوخته قواما موصوفا».
لذلك يأتي التمنّي لكي يبني كثيرا من العناصر التي تنتمي إلى عالمنا الواقعيّ ويضيف إليها شيئا لا ينتمي إلى عالمنا ذاك هو موضوع التمنّي الذي يمكن أن يحدث في عالم مواز. وبناء عليه فإنّ التمني لا يفيد كلّيا عالما محالا إذا ما نظرنا إلى عالمنا، بل يفيد جزءا بسيطا من العالم الممكن وأغلبه عناصر لها وجود في عالمنا الواقعي، فالإحالة ليست في العناصر التي يتألف منها التمني، بل في حوسبتها الدلالية الجامعة: أن يعتقد الكهل أو الشيخ وعلى سبيل الأمنية، أن يعود الشباب.
إنّ اللغة بما لها من قدرة على التمثيل، وعلى بناء المقاصد قد مكّنت البشر من أن يبنوا عوالم أخرى غير العالم الذي يعيشون فيه، هي أوعية أو وسائل متطوّرة تمكّن الإنسان من أن يعيش خارج سجن عالم الواقع، لذلك مكنت اللغة الإنسان من أن يطير قبل أن تطير به الطائرة؛ ومن أن يكون فارسا محاربا وهو الذي يجبن عن أن يذبح ديكا؛ ومكنته من أن يخاطب الإله عبر النداء، ومن أن يصف في أدق التفاصيل امرأة لم يرها البتّة. إن الواقع مهما كان متنوعا ضيقا وسجنا للنفس التي تريد أن تكون لها عوالم أخرى متعدّدة، فمكّنت اللغة الإنسان من أن يبني هذه العوالم، بل إن قدرته على التصوير التي يعدّها بعض اللسانيّين ملكة، تجعله يختار من عالمه ما يريد أن يدركه ويطمس البقية. في هذا السياق فإنّ (ليت الشباب يعود يوما) أو (ليت للبراق عينا) أو (يا ليتني وأنت يا لميس في بلد ليس فيه أنيس) كلها عوالم ممكنة وقابلة للتحقّق، بل هي بعد أن قيلت قد تحقّقت والدليل على ذلك أنّها بنت ذلك الكون بأن جعلتنا نتمثله.
أن يتمنى الشيخ عودة الشباب، هذه أمنية إن لم تتحقّق واقعيّا فإنها بنت كوناً قابلا للتحقّق ويخبرنا أبو العلاء المعرّي عن شيء شبيه بهذا في جنانه الافتراضية حين حدثنا عن الأعشى، وكيف «صار عشاه حورا معروفا، وانحناء ظهره شيخوخته قواما موصوفا». يكفي أن يتمنّى الشاعر عالما قفرا من الناس إلا من لميس حتى نقاسمه هذا الكون، لأنّه بناه وكنا شهودا لا على بنائه وحسب، بل وتسللنا إليه بمفتاح اللغة الذي ترك لنا الباب مفتوحا.
للكلمات وللأفعال وللعلاقات الإعرابية خصوصيات تجعل العوالم التي نبنيها ممكنة ففي (ليت للبراق عينا) فإنّ التمنّي قد بُني على خصوصيّة دلاليّة وهي أن الأعمى قابل لأن يرى فرؤيته جزء من كونه إنسانا، لكنّه حُرم تلك القدرة طبيعيّا، فالمستحيل قد قلت درجته والمحال طبيا اليوم ربما انتفت إحالته مستقبلا بتقدم الطب. ولو قلنا (ليت للبراق ذيلا) لكان الذيل خارج خصوصيّاته الخلقية بحكم أنّه ليس في شروط الإنسان أن يكون ذا ذيل. لكنّ اللغة يمكن أن تجعل المستحيل ممكنا بواسطة المجاز، فجملة من نوع (ليت البراقُ ذيلا) تبدو مستحيلة لكنّها في دوران اللغة تصبح ممكنة: لنتصور أن البراق رجل تابع لآخر أكثر منه سطوة يخدمه بالنفيس وبالبخس، سوف يقول المتبوع: (ليت البراق ذيلا لي) وسوف يقول الناس في صورة تحقق ذلك (إن البراق ذيل لكبيره) وهذا يعني أن المجاز يدجّن المستحيل ويجعله ممكنا في اللغة نفسها.
إنّ حديثنا أعلاه ليبدو لدى البعض خروجا عن إطار العوالم الممكنة، معهم الحقّ في ذلك لأنّهم قد يجهلون أن اللغة نفسها بالنسبة إلى فريق من الباحثين في الموضوع هي جزء من العالم الممكن، فعلى سبيل المثال يعتبر الفيلسوف الأمريكي ستالنكر Stalnaker أن الجملة البسيطة (سقراط لم يوجد) كانت ستكون صحيحة، وبالتالي كان سيكون ذلك عالما واقعيا، لا في حالة ما أن سقراط لم يوجد في عالمنا فعلا، بل في حالة ما إذا لم تكن هناك جملة من هذا النوع. هذه طريقة رصينة لكي يقال إن اللغة الممكنة هي أساس العوالم الممكنة.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية