“مالفا” رواية الهولندية هاخر بيترز: ابنة نيرودا المنسية تستيقظ مجدداً

هاشم شفيق
حجم الخط
0

للمشاهير حكايات وأسرار وأفعال مطوية، أو معلنة، وهي في الغالب مادة دسمة للميديا التي تتسقط أخبار المشاهير، ممن تركوا أثراً جمالياً وفنياً إبداعياً، في مخيلة المعجبين وعشاق الهوى والفن والأدب وبذكر الأدب يظهر بعض مشاهير جائزة نوبل، أولئك الأدباء والكتاب والشعراء المهرة، الصُّنّاع النجوم من صنعوا بالكدح الفني والمواهب المتفجرة والعمل الإبداعي الدؤوب أسماءهم التي حُفِرت في مخيال القارئ والمتتبع والهاوي.

من بين هؤلاء يظهر شاعر تشيلي الكبير بابلو نيرودا، الشاعر اليساري الأمهر، في عموم الولايات الأمريكية الجنوبية، الديبلوماسي البارز، والصديق الودود للقادة السوفييت، الشاعر المدافع دون كلل عن حقوق العمال والمرأة، والمناصر لقضايا الطلبة، والمنافح الأمثل ضد الديكتاتوريات، وسياسات تكميم الأفواه والمعتقدات، والتمييز العنصري، والمناصر البارع لحقوق المرأة، فنيرودا نجده في كل هذا، الشاعر الرقيق، والمهموم بالخيال، والخلود، والكتابة الإبداعية، والمحبوب من قبل القراء، والجماهير الكبيرة التي تقرأه وتحضره، وهو يُلقي بصوته المتهدِّج قصائده النارية، أو قصائده المُشبعة بالخيال والفن، والسحر الميال إلى مدارس وأساليب ورؤى وأخيلة متعددة، غرَفت منها موهبته المتدفقة دائماً بالعطاء الشعري.

شاعرنا الخالد نيرودا، هو أحد المشاهير الذين تزوجوا، خلال حياتهم نتيجة الحب، أو الشهرة، أو النجومية الكبيرة، سيدة ما، وصودف ذلك خلال رحلاته، وإقاماته الديبلوماسية في بقاع وعواصم العالم، وكانت تلك المرأة هولندية، لينجب منها وتغدو زوجته الأولى، فالمولود الذي انتظره بفارغ الصبر، أتى ليطلق عليه اسم زهرة ساحلية، بحرية يحبها “مالفا” وسيكون هذا الاسم تيمناً وحباً بالبحر والأزهار وبالسواحل البحرية.

غير أن الوليد الحديث الذي حلّ فجأة في حياة نيرودا، كان أنثى، ونتيجة الجندر عامة، والمصحوب بالجذور الجينية لكلا الأبوين، سيأتي المولود الحديث مشوَّهاً، برأس استسقائية كبيرة، وحجم بدن جد ضئيل، الشكل سيكون ملفتاً للزائرين لحظة التهنئة بالولادة، كان البعض يغض الطرف والآخر يُصدم، ويسأل ويستكشف.

والحكاية تبدأ من روائية هولندية، تكتب روايتها الأولى، عن هذه القضية المطوية، والمهملة ملفاتها في دور الولادة، والقضاء، وفي دوائر المجتمع المختصة بقضايا الأجيال الجديدة التي تفد إلى الدنيا، وتُسجَّل في سجل الأحوال الشخصية في هولندا. هذه الروائية المغامرة، والمبتكرة في اسلوبها الروائي، تكتشف بنفسها، بعد عثورها على خبر بطريقة ما، عن وجود ابنة لنيرودا لم يعترف بها، بل كان يتنكر لها، ويشمئز من منظرها، ويتحاشى حياتها، ونموِّها البطيء. ربما كان الاكتشاف عبر شاهدة قبر رأتها المؤلفة هاخر بيترز، في إحدى المقابر الهولندية، وغب ذلك طفقتْ تبحث عن هذه الغرابة، أو عن هذه المسألة الغريبة لشاعر تشيلي، فالكاتبة هي أيضاً شاعرة، دفعها فضولها إلى السعي من أجل اكتشاف هذا اللغز المُحيِّر المسمَّى “مالفا” الزهرة المفضلة لنيرودا خلال حياته الشعرية الطويلة، حياته المفعمة بالنضال والشعر والسياسة والسفر والكتابة، ولربما جاء تخليداً ايضاً لأمِّه روزا التي توفيت بعد عامين من ولادته بمرض السل.

تتقمَّص الروائية والشاعرة الهولندية حياة الطفلة “مالفا” وفق نسق متخيل، تكتب حياتها منذ اليوم الأول لولادتها، وترصد عبر ذلك حياة نيرودا الشاعر، بكل تجلياتها وأهوائها وتحولاتها الفنية والنفسية والأنطولوجية، مفيدة من رسائل لنيرودا ومن مذكراته الشخصية، إذ تتعقب كل شاردة وواردة، تتعلق بحياة نيرودا في هولندا، ساعية بذلك إلى كشف المستور، وتبيان الوجه الآخر للشاعر، العنصري والمرآوي، والمتشدِّق ليل نهار، وطوال حياته بالدفاع عن حياة المضطهدين، والمظلومين، والسجناء المناضلين، وأسرى الحروب والمجاعات، دون أن يلتفت ولو للحظة إلى حياته الشخصية، وإلى مأساته الداخلية التي حلت عليه، تلك التراجيديا التي قالت عنها المؤلفة على لسان ابنته مالفا: “لاحقاً أحاط بحياتي الصمت والغموض الذي أحاط بحياة شقيق أبي وشقيقته، أنا ابنته، لم يُعرف شيء عن حياتي، لدرجة أن موسوعة “من هو” للأدب العالمي لا تكاد تشير إليّ، في خضم الادعاءات المتشدِّقة الكثيرة التي تناولت حياة أبي، معظمهم لم يتعرّضوا إليّ على الإطلاق، البعض ادعى أنني أعاني من متلازمة داون، وآخرون رأوا أنني قضيت تحت أنقاض مبنى خلال الحرب العالمية الثانية التي اجتاحت أوروبا، والقليلون جداً الذين تعرّضوا إلى ذكر أمي كانوا يكتبون اسمها خطأ من دون اهتمام كبير”.

تستغور الرواية حياة أم “مالفا” في سرد تفصيلي وتاريخي، شبيه بالوثيقة، فهي تمضي بنا نحو حياة أمها وجدِّها وجدتها، واصفة على نحو روائي كلاسيكي، كل ما مرّ بتاريخ هذه العائلة، دارسة المكان والزمان، وباحثة في التراث الهولندي من عادات وتقاليد ومناسك يومية، واصفة بيت الجد والجدة، نوع الخزائن والملابس وتقاليد الطعام في المنزل، حتى تصل إلى الأم وتاريخها الشخصي، متدرِّجة في البحث، إلى أن تصل إلى الأم الشابة التي وقعت في حب شاعر تشيلي المشهور، وهو شاعر مُحب للطعام والجنس والغناء، ومُحب أيضاً للنضال السياسي ضد الطغاة والعسكرتاريا، ومساند لا تكل عزيمته للثورات الوليدة، والمسلحة، وللثوار النخبويين الكبار من أمثال زاباتا وجيفارا وكاسترو، وشاعر عضيد لكل أمل يلوح في الأفق، للطبقات الكادحة والعمالية.

وها هي “مالفا” تقول: “ولد أبي ليعيش حرّاً متنقّلاً في العالم، وليغني ذلك بنفسه، منذ اللحظة الأولى التي وصل فيها إلى هذا العالم، وتجلى هذا واضحاً بديهياً، منذ اللحظة التي حبا فيها باتجاه القلم على أطراف أصابعه، ليمسك به، بين شفتيه، وبين أصابع قدميه، وبين أسنانه، وعلى طاولة والده كان دائماً هناك ذلك القلم”.

تكتب الروائية والشاعرة الهولندية، هاخر بيترز، سيرة شاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا، من خلال ابنته “مالفا” المعوَّقة، والمقصيّة، وغير المعدودة كإنسان، له خصاله الخاصة وعاداته اليومية، فهي ولدتْ هكذا، غير مكتملة، بها عاهة واضحة، ولكن الزمن، زمن والدها، يقف ضدّها، بدلاً من الوقوف معها، كونها من ذوي الاحتياجات الخاصة، وعاجزة، وتعد من البشر الناقصين، ولدت هكذا شبه كائن، شبه أنثى، شبه مخلوق أنسي، حيث هكذا صقلتها إرادة الخالق، لتتحوَّل إلى كائن ممسوخ، فيه نقائص بائنة، وغير قابلة للعلاج.

فالرواية تأخذنا حقاً نحو عالم نيرودا المثالي، القريب من اليوتوبيا، القريب من عالم الأحلام، والرؤى السابحة في الجزر، والشواطئ الذهبية التي يبتكرها شاعر خلاق، خليق بكل نأمة جميلة، وبكل نسمة عابرة، تهبُّ على جبينه العريض المرصع بالأفكار والخيالات والعناصر الشعرية الحالمة.

تصف الروائية الأمسيات التي حفلتْ بها حياة نيرودا، وتصف كذلك النساء اللواتي تعلق بهنَّ، وتعلقنَ به، تصف الأجواء الرومانتيكية لحفلات كتبه وأمسياته الشعرية التي يحضرها الآلاف، فتتوغل في أسفاره وهو قنصل وديبلوماسي، وتسافر إلى المدن التي رآها وعاش فيها، مستدلة على تلك العلامات، كي تمهّد لعملها باستخدام شخصيات ترافقها في الرواية، من أجل خلق التناغم والاتساق والتكامل في أجواء عملها الفني، جاهدة في الوقت ذاته، بتحريك هذه الشخصيات المبتكرة، كي تساهم في عملية المعمار الفني، وتقدم السرد ومن ثم التطبيع مع الحكاية التي تحملها الكاتبة، ومن هذه الشخصيات الساخرة التي ترافقها في عملها كعامل مساعد للحكاية، أوسكار بطل “الطبل الصفيح” لغونتر غراس، وهناك دانيال ابن آرثر ميلر الذي ولد معاقاً ومصاباً بمتلازمة داون، فسلمه والده حينها لدار تعتني بالمعاقين والمولودين على الشاكلة المنغولية، فآرثر ميلر أيضاً أخفى هذا المولود المعاق أربعين عاماً، ولم يذكره حتى في مذكراته “منعطفات الزمن”، فلقد تنكر للمولود مثل نيرودا، انهما الكبيران، ذائعا الشهرة، الشيوعيان البارزان، فكيف يُظهر آرثر ميلر ذلك، وهو زوج لأشهر امرأة في العالم، مارلين مونرو! وهناك أيضاً شخصية سقراط الذي تستعين به المؤلفة، فهو أيضاً ينتمي إلى هذه النخبة، كونه تجرَّع قدح السم، وخلف وراءه ثلاثة أطفال، ولم يتنازل عن رأيه أمام القضاة ، تستعين به المؤلفة، لكي ينضم إلى الجوقة، أوسكار، ودانيال وشمبورسكا، بينما في ثنايا السرد سنعثر على غوته الشاعر الألماني الفذ، حيث تلتقيه “مالفا” في منزله الأنيق، فهو المفكر والشاعر المُغرم بتاريخ الأزهار والنباتات، والمهموم بطبائع الطبيعة، كما لا تُغفل شاعر إسبانيا المُلهم لوركا، أحد أصدقاء والدها، وثمة فصل حواري يجري بين العملاقين، أبرزه الحديث عن المسرحيات، وعن مصارعي الثيران، ومغامراتهم الدموية مع هذه الحيوانات الثائرة والحزينة .

هاخر بيترز: “مالفا”

 ترجمة: لمياء المقدم

دار الساقي، بيروت 2018

271 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية