مجموعة الشاعر السوري مروان علي “في الطريق إلى البيت”:  شعر القاع والحياة البسيطة

هاشم شفيق
حجم الخط
0

 

هم كوكبة من شعراء حلب الشباب، حلب التي منحتنا رياض الصالح الحسين، أعطتنا أيضاً من ضواحيها ودساكرها شعراء آخرين، لقمان ديركي، عمر قدور، محمد فؤاد، حسين بن حمزة، عارف حمزة، مروان علي، وغيرهم ممن شقوا طريقهم نحو النشر والذيوع، وإن بصعوبة بائنة، كونهم لا يمالئون السلطات ولا يلمعون في جهة سياسية ما. كانوا شبيبة متمردة على نفسها أولاً وعلى المواضعات الاجتماعية ثانياً، وعلى التاريخ الشعري العربي ثالثاً. قد يحبّون شاعراً بعينه، قد يردِّدون قصيدة لأحد الشعراء المكرَّسين، ولكنهم ظلوا ينأون بأنفسهم عن الشعر السائد، والمدارس النمطية والأشكال المكرّرة، والأساليب الشعرية التي تآكلت وأكلت نفسها، وبذا حين طلوا علينا ونحن في أوج الصخب الشعري، بدوا مثل طيور تغرِّد خارج السرب، قالوا ما كان تنضح به دواخلهم، قالوا الصدق المومئ، والمعنى اللماح، وقالوا أيضاً الحقيقة الجارحة، والصدق اللامع .

الشاعر السوري الكردي مروان علي، هو من هذه الجبلة، وديوانه الجديد “الطريق إلى البيت” يؤكد ذلك، فهو شاعر يؤثث قصيدته بكل مواصفات الشعر الصافي، الشعر الخالي من الزخرف، الشعر الأبيض، غير المخلوط بالشوائب، شعره نسيج نفسه، شعر لا يطالب بالأعالي ويدور في المرتفعات، إنما هو شعر القاع والحياة البسيطة، الحياة الدامعة ، أو الفرحة، شعر السوق والشارع والمنزل والمقهى والحواري الشقية، شعر الأسافل والمحيط الذي يعيش فيه، شعر البراري والحقول المحيطة بالبيت، شعر البيدر وجوقة العصافير حول البيدر، إنه شعر الإنسان الحي، البسيط، العامل أو المهموم بأمور الدنيا، شعر يتحدث كثيراً وبألم عن البلاد المجروحة والمنهارة تحت السياط، يتحدث كثيراً عن حبيبته وأطفاله وجيرانه والجنود العائدين والمقتولين، ويتحدث أيضاً عن القاتل والجلاد والتراجيديات الكردية والعربية، بشعر بواح غير مكتوم وأخرس، شعر لا تهمّه الرؤى النبوية، أو الاختراقات الفنية، ولا تبهره العبارات الثقيلة التي تطرحها النظريات البكماء، حول الشعر، ذاك الشعر الذي لا يحتاج إلى التنظير الملغز، كونه نابعاً من الروح، ومن عمق التصدّعات الباطنية للإنسان الحديث والمعاصر، كقوله في هذه القصيدة :

“لا أحب المطر والشتاء

ولا أحب المشي تحت ضوء القمر

لا أحب الموسيقى

لا أحب الشموع

لا أحب لوحات فان غوغ

لا أحب قصائد نزار قباني،

أمضيتُ عمري

في البحث عن الذئاب

ولم أكن أعرف

أنني أحيا بينهم”.

تنم أشعار مروان علي عن غربة متأسّية، واغتراب متعيّن، يتجلى في أسطرة المكان الأول، والبيت الأول، وتحويله إلى شبه أيقونة سحرية حافلة بالمعاني، كالحنين الدامع إلى سوريا، وإلى حلب ، وإلى قريته الوديعة “كرصور”. لقد أسطرها الشاعر كونها المكان الأليف والأنيس والحضن الدافئ له، حضن من شمس وحقول ومدى شاسع ومضيء على الدوام، فهو غير أمكنة اللجوء والمنافي البعيدة الباردة، إنه مكان الأب الذي يلفّ سيجارته، الأب الكردي المدموغ بالشموس الساطعة وروائح البراري، والأم التي تهيئ أدوات الألفة، والإخوة والأخوات الذين يُكملون المشهد، ويُضيفون له نوعاً من البهاء البشري، ليكون واسعاً وجميلاً وقابلاً للحياة والاستمرار في تذوِّق طعمها اليومي :

“وحلب قريبة جداً،

لدرجة كلما فتحتُ النافذة

سمعتُ أصوات الناس

في المنشية القديمة

وصفير القطار في محطة بغداد،

حلب قريبة جداً،

أنا البعيد”.

ومروان المملوء بالضوء في البلدان المعتمة والدامسة لا ينسى دمشق، دمشق المكان الساحر الذي يعشقه الجميع، دمشق النوى الآسر، دائماً يتذكرها عاشقوها منذ عبد الرحمن الداخل، وكذلك المتنبي وعلاقته المثلى بحلب والشام، غناها الكثير من الشعراء وحنوا إلى عطفاتها ورائحتها التاريخية والأسطورية، غناها نزار قباني وأدونيس وشوقي بغدادي ومحمد الماغوط الذي هجاها بطريقة المحب العاشق. شعراء عرب كثيرون يرون دمشق على أنها الأم الأولى، والحاضنة التي لا تضاهى، لكن أزمنة العنف والطغاة الجدد والقتلة والأشرار الكثيرين كانوا دائماً يقفون للجمال في الطريق، ولا يدعونه يمر، وها نحن نقرأ مروان علي في قصيدة “دمشق”، وهو يكتبها بطريقة الكردي المأسور بفتنتها كقوله:

“الكرد الذين غادروا وانْ وديار بكر

في طريقهم إلى دمشق،

تركوا خلفهم كل شيء،

وحين وصلوا وجدوا الجبال

في انتظارهم،

الكرد شمس سوريا البعيدة”.

إذن المكان يظهر على نحو جلي في ديوان “الطريق إلى البيت” فحين تظهر كرصور، قريته المنسية والبعيدة، تظهر كذلك في قصائد مكرسة لها “القامشلي” و”عامودا” و “تدمر”، وهناك قصائد عن “رائحة سوريا” و “رائحة دمشق”. ويمتلئ الديوان أيضاً بأسماء الأصدقاء من الأكراد، وكذلك أسماء الشوارع والساحات والمقاهي العامة في حلب والقامشلي، وقريته التي تركها خلفه وهاجر إلى بلاد الاغتراب باحثاً عن مصير راح يدور في كل مكان في القاهرة وهولندا وبرلين وأمستردام، أمكنة جديدة تختلط بأمكنة قديمة، وحياة تنأى في البعيد وتتأسّى وسط أنباء الحروب والقتلى وأجساد الجنود الممزقة:

“رحل الجنود، تركوا خلفهم جثتي،

رأيتهم يبتعدون بسرعة،

هم لا يعرفون،

هذه البلاد صغيرة

كلما ابتعدوا

اقتربوا من جثتي أكثر”.

وعن الحرب التي تأكل كل شيء وفي الطليعة الجنود والشجر والبيوت ولا تبقي على أثر لحياة عصفور، ولا لحفيف ورقة، وهسيس شجرة، غير الموات والقبور والخراب الذي يلف الأرض، ويكفّنها ويحوّلها إلى رماد تنثره الريح. ففي قصيدة “حرب” نراه يحدِّث أخيه، أي ابن وطنه الذي يقاتله:

“الذي أطلق الرصاص عليَّ

كان أخي، سيعود إلى رشده يوماً

ويبكي ولن يجد مكاناً يضع رأسه عليه، غير شاهدة قبري.

مروان علي: “الطريق إلى البيت”

منشورات المتوسط، ميلانو، إيطاليا ـ 2018

88 صفحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية