النهاية المحتمة تلاحق المرء حيثما كان، وهذا هو ديدن الحياة وعملها في الدنيا، وهي تشتغل بهمة ونشاط وحركة دائبة في المصير البشري، منذ بدء النشأة والتكوين، مروراً ببناء ما يتوجّب بناؤه في خريطة الكائن، حتى تأتي تلك اللحظة، ويسدل فيها الستار على كل مسيرة الكائن، وخريطته الفيزيائية والتاريخية.
ثمة رواية كتبتها الفرنسية لورانس تارديو تحمل عنوان «وفي النهاية الصمت»، عنوان دقيق، ويُحيل إلى عالم النهايات ومآلاتها، وهي تطوي تاريخ كائن ما، كان موجوداً هنا بيننا، يعيش ويفكر ويعمل وينتج ويُبدع، وفي النهاية يغيب عنا فجأة، ويرحل إلى دار الآخرة، فهذه الدار وهي تسمية رائعة ومبجّلة، حين يكون للراحل داره الأخيرة التي سيرقد فيها، ولنسمّها ما شئنا، باستثناء الكلمات الثقيلة مثل القبر، والجدث، والتابوت. هناك كلمات أجمل مثل العالم السفلي، أي هناك عالمان، العالم السفلي الذي يكون فيه الأموات، والعالم العلوي الذي يتحرّك فيه الأحياء، وهم كلّهم قيد الانتظار، ليستبدلوا مكانهم في النهاية وينزلوا من الأعلى إلى الأسفل، وهكذا دواليك، نتحرّك ونمضي وفق مشيئة مسار الكون، وطبيعة الحياة وتحوّلاتها المبرمجة، بدقة مدبّر ومخطط كبير، وسمّه ما شئت.. الله، القوى العليا، الذات العليا، المطلق، الرب، راعي الأكوان، إلى آخر التسميات وهي في الأديان التوحيدية كثيرة ووافية ومعبّرة.
كلنا سنشيخ ونموت، مثلما نولد ونعيش لنستمتع بمباهج الحياة ومفاتنها ومسرّاتها، وكذلك ونحن نعيشها ونكون في داخلها، أي الحياة، يصيبنا الألم فنحزن ونمرض ونشيخ، وهنا أود أن أتوقّف عند كلمة «نشيخ» والسؤال هو هل حين نشيخ يستوجب أن نستسلم لمسار الشيخوخة؟ مساقين إلى الكآبة والعزلة، والاستسلام للوهن البادي علينا، فنحاول أن ننعزل لنشيخ أكثر، ونبتعد عن طبائع وشرائع وقوانين الحياة، وعن تمظهراتها في جسد الكائن؟ هذا السؤال واجهني وأنا أقرأ سيرة كاتب فرنسي، سبق لي أن تحدّثت عنه في هذا المنبر، هو الروائي الفرنسي من أصول ليتوانية رومان غاري، الذي عاش حياة واسعة ومليئة بالتحوّلات والملذات والشهوات الإنسانية، فعاشها ملء جوانحه، درس وكدّ وتعلّم وأصبح دبلوماسياً وطيّاراً يحمل رتبة عسكرية مرموقة، والأهم من هذا كلّه، أصبح كاتباً مشهوراً، ونال أرفع جائزة فرنسية يحلم بها أي كاتب فرنسي. أصدر رومان غاري روايات عدّة، ولكنه في النهاية لجأ إلى الانتحار، والسبب هو زحف الشيخوخة إليه، فانتحر في عمر يرقى إلى ستة وستين عاماً، في مطلع السبعينيات من القرن الفائت، وهو بمقياس اليوم يُعد تقريباً في منتصف العمر، بالنسبة للأوروبي المتمتّع بصحة جيدة، والخالي من الأمراض، مثل رومان غاري نفسه المُحب للحياة والملذات والتطلعات الدنيوية. هذا الأمر، وأقصد مسألة الشيخوخة، سوف يحيلني إلى الكثيرين من الفنانين والكتاب، الذين لجأوا إلى خيار الانتحار، أو إلى عالم المخدرات، وهو انتحار رمزي بطيء، ليكون هو الوسيلة الفضلى لديهم، بعد انعدام خيارات مواصلة الحياة، وتحدّي مصاعبها ومشكلاتها التي تواجه البشر عموماً.
إن خيار رومان غاري هذا، سيدفعني نحو كاتب فرنسي آخر، وهو مفكر وفيلسوف وعالم اجتماع، إنه إدغار موران، الذي تجاوز الأربع سنوات بعد المئة، وهو النسخة المضادّة لرومان غاري، كلاهما كاتب، وكلاهما انتمى إلى المقاومة الفرنسية، أثناء الحرب العالمية الثانية، وكلاهما أيضاً فرنسي، ولكن من أصول أجنبية، فرومان غاري الروائي من أصول ليتوانية، وإدغار موران عالم الاجتماع يتحدّر من أصل يوناني، موران تزوّج مرّات عدّة وغاري أيضاً كان كذلك. رومان غاري ساعد المقاومة والشيوعيين أيام الاحتلال النازي، وكذلك إدغار موران انتمى إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وكان عنصراً فاعلاً في المقاومة الفرنسية. لكن الغريب في الأمر هو أن عالم الاجتماع والفيلسوف إدغار موران كتب كتاباً جديداً سمّاه «لحظة أخرى أيضاً»، وهو يعني بهذا أنه يريد وقتاً إضافياً، فهنا اللحظة هي مجرد رمز دلالي، تعني هبني أيها الرب وقتاً لأنشئ وأسطر ما هو موجود في ذهني ووعيي، من أفكار وهواجس ورؤى فلسفية جديدة.
هنا الفيلسوف إدغار موران يبدو ويظهر لنا على أنه النسخة المضادّة لغاري المتشائم، الذي يختتم حياته عنوة، بسبب غير منطقي وغير معقول، بل غير علمي، حسب المفهوم البيولوجي الذي يسري على جميع الكائنات، وهو الشيخوخة التي زحفت إليه، ولم يعد فاتناً مثلما كان، ولم يعد قابلاً للزواج من جديد، مثلما كان يُغوي ويفتن ويسحر النساء.
وسؤالي هنا، هل الشيخوخة والتقدم في السن يدعوان إلى الانتحار؟ فالعمر الذي كان بحوزة غاري دفعه إلى كتابة روايتين، يهجو فيهما تقدمه في العمر هما، «بطاقتك لم تعد مناسبة» و»بعيداً عن هذه النهاية». بالتأكيد سأجد هناك إجابات على تساؤلي هذا.. مثل قول: إن الرجل تعرض لحياة صعبة، وضغوطات ومشكلات حياتية ليس بمستطاعه حلها، ولكن السيرة التي اطلعنا عليها، والتي تخص مجمل حياته، كشفت غير ذلك، بل أمعنت في تسليط الضوء على أخريات أيامه الحافلة بنشاط كبير ومتسارع، كحصوله على الجوائز، ووصول رواياته إلى السينما، وتمتعه بحياة عاطفية متعددة، فضلاً عن تاريخه الدبلوماسي، وماضيه المغامر والجميل والممتع، وبالنسبة لمواصفات شخصه، فهو يتمتع بالطول والوسامة، والذكاء والألمعية، التي أظهرها في رواياته اللافتة والمثيرة والمؤثرة.
بينما نجد المفكر إدغار موران، وهو كاتب كبير وله باع طويل في الكتابة الفلسفية والعلوم الاجتماعية والفكرية، عاش حياة تشبه إلى حد ما حياة غاري، وقد أشرتُ إلى ذلك أعلاه في مجال المقارنة بينهما على مستوى التفاصيل الحياتية، التي التقيا في بعضها واشتركا فيها كونهما فرنسيين، عاشا تجارب الحرب العالمية الثانية، فكتبا كتباً، وشهدا التحوّلات ذاتها. الكاتب رومان غاري ينهي حياته كونه تقدّم في السن قليلاً، بينما إدغار موران يتخطى المئة، ولا يزال يتمتع بحياة عقلية بارعة، يترجّى الحياة التي وهبته عمراً مديداً، أن تمدّ في عمره قليلاً، من أجل عمل المزيد من الأفكار والرؤى لتحويلها إلى كتب، فهو حقاً بحاجة إلى «لحظة أخرى أيضاً».
لدينا في العربية تجربة الشاعر أدونيس، نتمنى له طول البقاء وهو يقترب من المئة، وتجربة الشاعر خليل حاوي، كلاهما درس الفلسفة، وكلاهما يتحدّر من أصول سورية، وكلاهما انتمى إلى «الحزب القومي الاجتماعي السوري» وكلاهما عمل مدرّساً، وكلاهما عاش الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982، فالأخير لم يكمل الحصار فانتحر في بداياته، وكان في الثالثة والستين من عمره، منهياً حياته في لحظة دراماتيكية، بينما الأول كتب ديوانه الجميل «قصائد الحصار»، ولم تخبُ شعلة الكتابة لديه حتى الآن.
كاتب عراقي