أتيح لي أن أرى بابل مرة أخرى، بابل العصور والزمن المشع على الدنيا، فموقعها الحقيقي ليس بعيداً عن القلب ونواحي الروح، فهي من صنعت تاريخنا وأعطت الأسماء الأولى لكل شيء.
لا أريد أن أخوض في التفاصيل الأسطورية، وما قدّمته بابل للحضارة الإنسانية، فهو كثير ويحتاج مني ومن غيري الى وقت طويل، وحبر مديد لأوضح البسيط من هذا العطاء المادي والعلمي والتاريخي والوجودي، يكفي أن نقول حمورابي ليتململ الوقت وتصحو الميثولوجيا بكل وجوهها الزمنية، وتسارع متاحف العالم لتظهر زينتها الرمزية، وهي تقدّم لنا مسلّة القانون والحكمة البابلية في متحف «اللوفر» في باريس مصحوبة ومحروسة بـ«أسد بابل» ويسارع كذلك «متحف برلين» وهو يستقبلنا أمام «بوابة عشتار» المزيّنة بالنمور والأسود والغزلان والإحفوريات الأركيولوجية، وكذلك هو «المتحف البريطاني» في العاصمة لندن، ففيه العديد من العجائب العراقية القديمة. لا نريد أن نعدد المتاحف كلها، التي تضم الحضارة البابلية والسومرية والآشورية والكلدانية والأكدية في كل بقاع العالم، بل سنكتفي هنا بالواقع الحي، الواقع الآني لبابل التي حضرتُ فيها «مهرجان بابل للثقافات» العالمية في نسخته الحادية عشرة.
أصل فجراً إلى مطار بغداد، صحبة الشاعر عدنان الصائغ، لنحل ضيفَين على المهرجان المُقام في محافظة بابل، بينما سكننا سيكون في بغداد في فندق «ميليليا منصور» حيث يقيم الكثير من الضيوف بجنسياتهم المختلفة، العراقية والعربية والأجنبية. بعد لأي وتعب ماثل في الأعين والأقدام، جرّاء السفر والسهر والتنقل، سسنحصل على غرفنا في الفندق الكبير والشهير وسط العاصمة بغداد، والمطل على نهر دجلة المعروف بجسوره الجميلة. صباحاً سيتناول البعض الفطور في الصالة المخصصة لذلك، أما أنا فلقلة وقتي وتعبي سأتناول الفطور في الغرفة، منتهباً لشمس العراق الجميلة والدافئة، ألبسها لأتحسس ملمسها، ثم أفطر في الشرفة أمام نهر دجلة، مطلاً عليه من الطابق الثامن، حتى تدمع العين مسترسلة في الذكريات البعيدة. بعد ذلك بقليل سيكون الجمع في الصالة الفندقية، نرى بعض الضيوف العرب نسلّم على بعض الذين نعرفهم من لبنان وسوريا، صديقي العتيد الشاعر اللبناني عباس بيضون سيواجهني، أسلم عليه، نتعانق ونتبادل بعض الكلمات، على وعد أن نلتقي في بابل بعد ساعتين، وهاتان الساعتان هما زمن الرحلة من بغداد إلى بابل.
مساءً سنكون في حفل الافتتاح، المنير والملوّن بالأضواء الساطعة، والمدجج بكاميرات المصوّرين من القنوات التلفزيونية والصحافيين المُرسلين من هذه القناة أو تلك الجريدة. المكان هو المدرج التاريخي لبابل، سيزدحم بالحضور من سكان بابل والوافدين إلى المهرجان، سيفتتح المهرجان محافظ بابل متحدّثاً عن الحضارة الأولى في العالم. في حفل الافتتاح سنرى الطقوس والأزياء والعروض البابلية الفنية التي أدتها نخبة من الشباب والشابات العراقيات بطريقة جمالية حديثة ومتقنة، أرتنا الزي البابلي بشتى صنوفه التفصيلية والفنية والتاريخية، محمولاً على التنوع، من تطاريز وتفاصيل وريازات وحبكات قماشية متعددة التصاميم والتشاكيل، راسمة لنا الأذواق والتعابير لذلك الزمن الطاعن في القِدم، ما أثار شهية العين لرؤية المزيد من هذا الفن البارع، الكامن في الأزياء البابلية وتنوّع مصادرها وهي تحاكي ذلك الزمن البعيد.
ثمة كلمات شعرية وأغنيات تعبيرية دوّت في الافتتاح، وهي تؤازر الدم الفلسطيني، عبر محنته اليومية مع العدو الإسرائيلي، فالمهرجان حمل اسم فلسطين في هذه الدورة، لتكون الاسم الكبير المكرّم في مهرجانها هذا.
الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة حضر صوتها الجهير، والمدوي ليغطي المكان بنبرته العالية، منشداً للبنان وفلسطين وللحب عامة، ليعلو مخترقاً بتموّجه الموسيقي أبعاد السماء البابلية. شعر وغناء وموسيقى ورقص فني، حلّق في الفضاء الأسطوري لبابل التاريخ والحضارات، ينضاف إلى هذا كلمة الشاعر علي شلاه رئيس المهرجان، الذي رحّب بالضيوف المدعوّين، وبأهمية المهرجان الذي ينعقد في التاريخ نفسه من كل عام، فوق أرض بابل الأسطورية، مشيراً من خلال ذلك إلى دور المقاومة الفلسطينية في الأرض المحتلة، وهي تواجه أعتى آلة عسكرية في العالم. ثم عرّج عبر هذه الكلمة في اتجاه الشاعرة الفلسطينية نداء يونس، التي منعتها سلطات الاحتلال من الحضور إلى العراق، لغرض المشاركة في مهرجان بابل للثقافات. كان أسبوع المهرجان حافلاً ودسماً وممتلئاً بالأسماء العراقية والعربية والأجنبية، من خلال الفعاليات والمساهمات والمشاركات الفنية والأدبية والنقدية والشعرية.
في هذه الدورة من المهرجان كانت الثقافة الفلسطينية ضيف شرف، فحضرت الثقافة شعراً وأدباً ورقصاً وموسيقى وأزياء، تم عرضها لتعكس عمق الثقافة الفنية والأدبية والتراثية لفلسطين، تلك الثقافة التي راح الاحتلال الفاشي يستغلها ويحوّلها بشتى السبل لينسبها إليه، مثل الزي التراثي الفلسطيني والمطبخ وكذلك العادات والتقاليد اليومية الفلسطينية، وكل ما يمت للفن والتاريخ والتراث الفلسطيني بصلة، ليصادره الاحتلال ويجيّره لصالحه، وهو الوافد الأجنبي والمحتل للأرض العربية، والخليط من أجناس وأقوام شتى.
اليوم الأول للمهرجان بدأ في الثانية عشرة ظهراً، بكلمة ترحيبية من رئيس المهرجان وبموسيقى من الفنان العراقي أسامة كمال الدين، ثم بدأت الفعاليات ليفتتحها شعراً وحديثاً عن تجربته الشاعر البابلي موفق محمد، ولتليه في حديث عن تجربتها الروائية العمانية جوخة الحارثي. مساء وعلى شاشة كبيرة تمّت قراءة تسجيلية لشعراء عرب معروفين بقصائدهم الحماسية والوطنية كالجواهري ونزار قباني ومحمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب، وصولاً إلى الشاعر تميم البرغوثي. في اليوم الذي سيليه سيتم افتتاح معرض الكتاب، بمشاركة عدة دور عراقية وعربية، مع افتتاح معرض للفنان العراقي فائق العبودي. في اليوم الثاني كان المهرجان متوهّجاً بمدعويه من الفنانات والفنانين العراقيين والعرب، مثل الفنانة السورية اللامعة كندة حنا بطلة فيلم «باب الشمس» الذي يروي قصة الكفاح الفلسطيني، فضلاً عن حضور بعض ممثلي الدراما العربية، كالمصري طارق دسوقي، وهند كامل من العراق، والمصرية حنان شوقي، متحدثين عن هموم الدراما العربية ومشاكلها المادية والمعنوية والفنية.
الشعر العراقي والعربي في المهرجان كانت له الحصة الجمالية الأوسع، ولقد شارك فيه شعراء عراقيون وعرب معروفون وعالميون، وقد تألق الكثير منهم في القراءات الشعرية، أو في الحديث عن تجاربهم، وكذلك هي قراءات الشاعرات العربيات مثل بسمة النسور، هناء البواب، ميرفت علي، أسماء الحاج، لوركا سبيتي وغيرهن من الناقدات والشاعرات والشعراء والأدباء والنقاد والباحثين العراقيين البارزين، الذين يعدّون من أهل البيت، ممن أضفوا على المهرجان البعد الدلالي، التكميلي للمكان، باعتباره قيمة فنية وأسطورية راسخة في الواقع العراقي.
الشعراء الأجانب كانوا لافتين في قوة معانيهم وصدى البعد التعبيري والتركيبي والتصويري في قصائد كل من الإيرانيَين خالق كرجي، وموسى بيدج، وكذلك السويسرية أندريا كريدر، والهندية ريشما راميش، والتركية محسنة أردأ، هذا دون أن ننسى ندوة الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي والكتاب الاحتفائي الصادر عنه حديثاً، كون البياتي رائد الشعرية العربية، تنضاف أيضاً ندوة عن الراحل الكبير نزار قباني، وهي بمشاركة عراقية سورية، فضلاً عن إقامة ندوات حوارية لكل من الروائي اللبناني رشيد الضعيف، والروائية المصرية مي التلمساني، بالإضافة الى قراءات شعرية بالكردية لشعراء أكراد عراقيين.
إن هذا الحيز لا يفي حقاً بمهرجان كبير مثل مهرجان بابل، متخم بالفعاليات والأسماء الأدبية والفنية، التي لم نستطع التوقف عندها لكثرتها.
كاتب عراقي