نُصُب الشعراء

حجم الخط
0

تحفل بغداد بنصُب لشعراء أبدعها كبار النحّاتين العراقيين، الذين أثبتوا جدارة عالمية، في عالم الفن التشكيلي، حيث تعلّموا ودرسوا في أهم الأكاديميّات الفنية في العالم، وعلى وجه الخصوص في إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، من أمثال، جواد سليم، لورنا سليم، محمد غني حكمت، إسماعيل فتاح الترك، زها حديد، ليتركوا وراءهم تحَفاً خالدة، قلّ نظيرها. فمن بين نصب الشعراء التي أنجزها غالباً إسماعيل فتاح الترك ومحمد غني حكمت، نصب الشاعر أبي الطيب المتنبي على ضفاف دجلة في شارع «المتنبي» المتفرّع من «شارع الرشيد» التاريخي، وهناك في «ساحة الأمين» نصُب معروف الرصافي، الشاعر الثائر والكاتب المثير للجدل.
وفي شارع « أبي نوّاس» ثمة تمثال الشاعر العباسي الخالد الحسن بن هانئ، المعروف بأبي نوّاس، كما يوجد في «ساحة الكاظمي» تمثال الشاعر محسن الكاظمي، الذي ذاق لوعة المنفى باكراً، حيث عاش وتوفي في مصر. كما يضم اتحاد الأدباء العراقيين في «ساحة الأندلس» نصباً للشاعر الجواهري.
ما ينقص بغداد من نصُب هي لشعراء الحقبة الكلاسكية، العباسية، نصب للشعراء الخالدين من أمثال أبي العتاهية، جرير، الفرزدق، بشّار بن برد، الشريف الرضي، ابن الرومي، ابن زريق البغدادي، المشهور بقصيدته الخالدة عن بغداد «أستودعُ الله في بغداد لي قمراً بالكرخ من فلك الأزرارِ مطلعه» وليته يكون في جانب الكرخ المقسّمة منذ العصر العباسي إلى منطقتين الكرخ والرصافة.
أما في العهد الجديد، ومنذ بدايات القرن الماضي، وحتى وصولنا إلى هذه الأيام، فيستلزم أن يكون هناك تمثال للشاعر والمفكر جميل صدقي الزهاوي في «شارع المتنبّي» أو في «ساحة الميدان» فهو صنو الرصافي، ونظيره وندّه الشعري، وكان ينبغي أن تفكّر به المؤسسات المعنيّة، وتطرحه ضمن مشاريعها وخططها المستقبليّة.
أما بالنسبة لشعراء العصر الحديث، فإذا كان هناك تمثال للشاعر بدر شاكر السياب في البصرة، أنجزه الفنان نداء كاظم، وهو تمثال جميل ومعبّر وذو أبعاد ودلالات فنية، فيستوجب أن يكون هناك نصُب لرواد الشعر الحديث وزملاء السياب، كنازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، نُصُب في أماكنهم الرمزية التي كانوا موجودين فيها، مثل مكان الشاعر عبد الوهاب البياتي في «شارع الشيخ عمر» والشاعر بلند الحيدري، في «شارع الرشيد» قرب «جسر السنك» حيث كانت تقوم مقهى «البرازيلية» وترداده الدائم في بغداد الخمسينيات والستينيات، هو وزملاؤه، الكتاب والشعراء والروائيون، على هذا المقهى الأثير، وكذلك نازك الملائكة في «الأعظمية» أو عند «كلية الآداب» حيث تخرّجت وكتبت أولى قصائدها الحديثة، تلك التي تنتمي إلى الشعر الحر، حسب تسميتها لهذا الاتجاه الجديد من الشعر، في كتابها المعروف «قضايا الشعر المعاصر». وكذلك يستوجب إقامة تماثيل احتفائية وتكريمية للرعيل الذي أعقبهم في مناطقهم، الذين ينبغي الالتفات إليهم، فثمة الشاعر سعدي يوسف في البصرة، وتحديداً في المنطقة التي يتحدّر منها «أبي الخصيب» ممثلة بقرية «حمدان» فهو المجدد الثاني الأكبر في عالم القصيدة العربية الحديثة، بعد ابن مدينته وأستاذه بدر شاكر السياب، ذاك الذي تربطه معه حتى علاقة نسب عائلي، غير العلاقة العقائدية، من خلال مسيرتهما الأولى في عالم السياسة، ذات التوجه اليساري، الماركسي.
هذا دون أن ننسى الشاعر المناضل مظفر النواب، الذي نال شهرة مزدوجة، من خلال شعره الفصيح والمحكي، وهو يستحق التمثال بجدارة عالية، ويمكن إقامته في محلة «النواب» التي تنتسب المحلة نفسها الى عائلته، ذات المحتد الأرستقراطي، بينما هو، أي النواب، فقد عاش بين الكادحين والمناضلين، وأبناء العامة، ناضل وكافح وسُجن، وهرب من السجن إلى المنافي العربية والأجنبية الكثيرة.

أي تمثال يقام للشعراء يعكس عبر سياقه الفني، وقامته الجمالية، الروح العميقة لمفاهيم الشاعر الداخلية، ويترجم في نحته، وصبّه وتكريسه فنياً حين يقام، أحاسيس ومدارك وشواغل وطريقة عمل الشاعر الشعرية، ومسار تجربته الدلالية.

إنّ أي تمثال يقام للشعراء يعكس عبر سياقه الفني، وقامته الجمالية، الروح العميقة لمفاهيم الشاعر الداخلية، ويترجم في نحته، وصبّه وتكريسه فنياً حين يقام، أحاسيس ومدارك وشواغل وطريقة عمل الشاعر الشعرية، ومسار تجربته الدلالية، التي تعبّر عن كل شوارده وبروقه اللغوية، والتعبيرية، ومظانّه النفسية، كما لمسنا ذلك في تمثال أبي نواس والمتنبي، والحركات التي توفّرت في التمثالين، والمستمدة من حياة وسيرة الشاعر، الحياتية والوجودية، وقد تجسّد هذا الوضوح الدلالي مع تمثال المتنبي المتحدّي، الطامح والجسور تعبيرياً، والذي كانت كلماته، كما قال، يراها الأعمى ويسمعها من كان به صمم: «أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي ـ وأسمعتْ كلماتي من به صممُ» والذي كان يرى في الرأي أنه يأتي أولاً وقبل شجاعة الشجعان: «الرأيُ قبل شَجاعة الشجعانِ ـ هو أوّلٌ وهي المحلُّ الثاني» فتمثال المتنبي يُرينا تقريباً، ما كان يطمح إليه المتنبّي، المجد والسلطان والشهرة، مجد الشعر إلى حيث التجاوز الفني، وتخطي الشعراء الأقران، والمنافسين، من هم أقل موهبة منه، أو أقل باعاً في تسطير الكَلَم، يليه التشاوف على النقد: «أنام ملء جفوني عن شواردها ـ ويسهر الخلقُ جرّاها ويختصمُ» وأيضاً الترفّع عن الصغائر والدواني» على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ».

وكذلك هو الحال مع أبي نوّاس، الشاعر المُحدث في زمانه، صاحب الصورة الواضحة، والناطقة بجمال معانيها، وكذلك في بعدها التصويري الأجد، عمّن سبقوه في عالم الشعر التصويري، شاعر رفض الطللية في الشعر، ونقدها شعرياً « قل لمن يبكي على رسْمٍ درَسْ ـ واقفاً ما ضرَّ لو كان جَلَسْ» فضلاً عن هذا، قدّم صورة مغايرة للمفهوم الشعري، الذي كان سائداً في عصره، فأحدث من خلال تعبيره الرؤيوي في الشعر، انتقالاً وتحوّلاً في المعنى، والصورة، والبنيان العمراني للقصيدة بشكل عام، ناهيك عن طريقته ومسلكه ورؤيته للحياة والوجود، من خلال تمرّده الوجودي، وسلوكه اليومي وتمجيد الحياة، ولهوها وتكريس مبدأ اللذة، كنهج شعري، يُتوِّج شعره المتجاوز لزمانه، وناسه، ومعاصريه، في تلك الأيام الغابرة.

من هنا كان النحّات الذي صمّم تمثال أبي نواس، وهو النحات العالمي محمد غني حكمت، قد أعطانا من خلال نُصْبه، صورة معبّرة ونادرة، لطريقة عيش الشاعر في ذلك الزمان، فحتى الناظر إليه من خلال نظرة عابرة، باستطاعته أن يكوّن رأياً شخصيّاً، وفنيّاً دالاً، في رسم صورة معيّنة لحياة الشاعر، ومسلكه اليومي في ذلك الزمن، الحافل بالغناء، والرقص، والشعر، والموسيقى، وتعظيم أسّ الحياة.
في العراق المُحب للشعراء، نجد حتى بعض المحافظات العراقية، قد أقامت نُصُباً لشعراء كبار وشهيرين، مثل الشاعر المُحدث، والمبتكر للجديد في عالم الشعر الكلاسيكي، أبي تمّام، في الموصل، وهناك السياب في البصرة، والشاعر محمد سعيد الحبوبي في الناصرية، وشيركو بيكه س في مدينة السليمانية.
لكن الطريف في محافظة بابل، وذلك من باب الاعتزاز بشاعرها، فقد أقامت تمثالاً كاملاً، في مركز مدينة الحلة، لشاعر حي، لا يزال نشيطاً بدنياً وشعرياً، وهو مؤثّر في محيطه، ولافت في كل مهرجان شعري يُدعى إليه، ليكون علامته البارزة، إنه الشاعر الصديق موفق محمد، المتميّز بلغته التحريضية، ذات النبرة النارية الخاصة، الموسومة برنين طاغ، لكل من يسمعها ويُنصت إليها، وهي تتدفّق صائتة، حادة وحارّة، بحمولتها الإيقاعية.

شاعر وكاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية