من يتابع تناول الفضائيات العربية للثورة السورية هذه الأيام يلمس تبدلا في المزاج الإعلامي من خلال التناول والطرح والتحليل.
فحتى وقت قريب، لم يكد يكون هناك أي شيء مشترك بين الفاعلين المتعددين إعلاميا في هذه «الأزمة السورية الكبرى». ففي حين يطغى على تناول إعلام الولايات المتحدة أولوية القضاء على الدولة الإسلامية أولاً، يعطي معظم الإعلام العربي أولوية للقضاء على الأسد أولاً، بينما وقفت «روسيا اليوم» إلى جانبه لتدعم الحل السياسي، الذي قد ينتهي بالتخلص منه، بينما جعل إعلام إيران عربيا، ممثلا في «المنار» و «الميادين» أولويته هي حماية النظام، وهزيمة خصومه، سواء المعارضة الليبرالية أو «الدولة الإسلامية» أو غيرها من الفصائل، على حد سواء.
تشي هذه التغطية مجتمعة بأن هناك العديد من الإشارات، التي تنبئ بوجود حل دولي واقليمي للأزمة السورية يتكون ببطء بالتزامن مع عدد من التطورات التي تحدث على الأرض.
باتت الفضائيات مثلا في نشراتها ومقابلاتها تغير تركيزها الكبير على الاحداث لصالح الحديث عن أخبار «الدولة الاسلامية» والتحركات الاقليمية والدولية لمحاصرتها ومحاربتها، وباتت اسطوانة الحل وفق اتفاق «جنيف» قاسما لمعظم التحليلات الإعلامية.
ومن يتابع تغطية الفضائيات السعودية حول المعارضة السورية الإسلامية مثلا يستنتج أن هناك مطالب منهم أن يعتدلوا في مواقفهم، وأن يرفضوا الدولة الإسلامية والتنظيمات الجهادية، والموافقة على أن البديل للأسد يجب أن يكون حكومة شاملة تمثل جميع المكونات الإجتماعية في سوريا وتحافظ على كيان الدولة.
ولم تخف الـ»بي بي سي» العربية والـ»سي أن أن» أنه صار هناك سقف لطموحات الأكراد القومية، نقلا عن مسؤولين أمريكيين في وقت مبكر من هذا الشهر خلال زيارتهم إلى تركيا.
ورغم أن الإعلام كان مرآة حقيقية لسياسة الدول تجاه ما يحدث في سورية، وكان من الصعب جمع التباين في مواقف الأطراف المعنية بالأزمة، إلا أن هناك دلائل إعلامية على أن الولايات المتحدة قد تكون قررت التعامل مع الأزمة السورية الإقليمية من خلال نهج متعدد الأوجه، يتضمن العمل مع الأكراد في الشمال من أجل هزيمة الدولة الإسلامية، والتوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين حول المستقبل السياسي لسوريا بمساعدة موسكو والعرب المهددين أيضًا بواسطة تنظيم الدولة الإسلامية، من أجل تحريك بعض جماعات المعارضة إلى مواقف سياسية أكثر اعتدالاً.
هذه الإشارات في التعاطي الإعلامي وغيرها تقود للاستنتاج أننا ربما نشهد إشارات تشجع على الإعتقاد بأن العد التنازلي للتوصل لحل سياسي قد يكون بدأ بالفعل. وفي الحالات الأقل احتمالاً بأن هذه الإرهاصات هي إشارات عفوية، فإنها توفر مصدرًا للإلهام الذي يشير إلى الإتجاه الإعلامي، الذي يعكس غالبا المزاج الساسي.
وراء كل ديكتاتور إمرأة
يبدو أن الربيع العربي وصل الى صالونات زوجات الزعماء العرب، اللواتي كن ينافسن نجوم السينما في الظهور المتكرر والمبالغ فيه على شاشات الفضائيات، بمناسبات وبدونها. وقد غبن قسرا عن الشاشات منذ اندلاع أحداث الربيع العربي.
فلم نعد نرى إلا لماما زوجة زعيم ديكتاتوري تصول وتجول بين الناس وتلاحقها العدسات لإظهار وداعتها وكرمها وتفردها من بين النساء.
فقد حرم التوانسة، كما العرب من اطلالة ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، التي كان يطلق عليها «السيدة 20 بالمئة»، وهي النسبة التي كانت تتقاضاها عمولات حول المشاريع في تونس. بعد أن كانت الزائر الدائم لوسائل الإعلام. ويقول التوانسة إن زوجها الرئيس السابق يحملها مسؤولية ما آل إليه وضعه. ولسان حاله يقول لم أكن الديكتاتور الوحيد في القصر.
ولم يكن حب السلطة والمال سبب شهرة الطرابلسي لوحدها، بل كان القاسم المشترك لزوجات زعماء الديكتاتورية العرب. فقد ساهم جشع زوجة الرئيس المصري الأسبق حسني سوزان مبارك في الثورة على زوجها لشدة ضغطها لتوريث الحكم لابنها جمال ضد إرادة الشعب المصري.
وهذه بدورها كانت تنافس الفنانات المصريات في كثرة الظهور عبر التلفزيونات، بحجة عمل الخير، الذي لم يأت بأي خير. ووصل بها الأمر أنها كانت تعين الوزراء ولها باع كبير في تصعيد الإعلاميين والإعلاميات، لا بل الممثلين والممثلات، وجمع التبرعات التي لم يظهر لها أثر.
بدورها غابت صفية القذافي وابنتها عائشة، اللتين لم تكونا سيدتي قصر عاديتين، فكان لهن دور بارزة في الساحة السياسية الليبية والدولية، واشتهرت عائشة كذلك بخطاباتها المتلفزة من باب العزيزية أثناء الثورة الليبية، وكانت مدافعة مستميتة عن أبيها ونظام حكمه. ومشهور قولها إن «من لا يريد القذافي لا يستحق الحياة».
كما غابت أسماء الأسد، التي يلقبها السوريون بـ «ماري إنطوانيت» سوريا، والتي كان يعول عليها أن تكون وجها مقبولا على الشاشات باعتبارها نشأت ودرست في دولة غربية، لكن موقفها من الثورة، وعدم صدور أي استنكار لقتل الأطفال والنساء في بلدها جعل منها ساكتة عن الحق.
وفي الوقت الذي سحبت مجلة «فوغ» الأمريكية صفة «وردة الصحراء» التي أطلقتها عليها، صارت ضيفا نادرا على التلفزيون ووسائل الإعلام.
لكن غياب السيدات يطرح سؤالا مهما، هل عاد المجتمع الذكوري العربي ليحتكر الشاشات والظهور، رغم أنه مجتمع أكثر دموية ووحشية من مجتمع السيدات، الذي لم يصل الى ما وصله إلا بتشجيع وبتقاسم النفوذ مع «الديكتاتورية الذكورية العربية».
وداعا للتلفزيون أهلا بالألعاب
شاهدت تقريرا على تلفزيون «فوكس» الأمريكي يتحدث عن أن جيلا من الشباب القادم بات عبدا حقيقيا للانترنت، بحيث صارت الشبكة غذاءه وماءه وهواياته. وهذا الجيل بات عدوا للتلفزيون ويعتبر الجلوس أمامه تعذيبا حقيقيا.
الى الآن التلفزيون يعتبر من أعظم ما أنتجته المخيلة البشرية، إلا أن اتساع نطاق الشبكة العنكبوتية وسرعة نقلها للحدث، وشموليتها في نقل التجارب البشرية والأخبار والتعليقات والصور يجعل منها منافسا ربما يصرع التلفزيون، الذي لم يعد الجامع التقليدي للأسرة، كما كان، فكثيرا ما ترى الأولاد هذه الأيام لا يفارقون شاشات الكومبيوتر، سواء لانغماسهم المطلق ببرامج الألعاب أو التواصل مع الأصدقاء والعالم الخارجي المتحرك، والذي يعتبر التلفزيون بالنسبة له جهازا جامدا، لا يتلاءم مع السرعة التي تطبع الحياة العصرية. فهل نرى مستقبلا أن لكل شخص تلفزيونه، الذي يشاهده وينتج مواده بنفسه ويوجهه حسبما يريد؟ لا شيء بعيد عن التقنية وتأثيرها العظيم وما تغيره في الإنسان المعاصر، الذي لا يعلم أحد ماذا ستصنع منه التقنية في المستقبل ليس البعيد.
كاتب من أسرة تحرير «القدس العربي»