هل قاد الفنانون عمليات التحرش الجنسي عبر العالم؟

شغلت عودة ملك الأوبرا الفنان الإسباني بلاسيدو دومينغو الى باريس – والمتهم بالتحرش الجنسي بمن عملن معه عبر تاريخه الفني الطويل – وسائل الإعلام وخصص التلفزيون الفرنسي برنامجا للحديث عنه، واقتطف تصريحات له عن تجرؤه على انتقاده لماضيه.
هذه العودة تعيد للأذهان إعادة تأهيل المغتصبين إعلاميا، مثلما حصل مع المخرج رومان بولانسكي
في مهرجان “سيزار” الماضي للأفلام في باريس حين غادرت مجموعة من الممثلات قاعة “الأوسكار الفرنسي”، احتجاجا على منح المخرج بولانسكي، المتهم والمحكوم بالإغتصاب جائزة عن مجمل أعماله.
حلقة قناة “فرانس 24” تحدثت كذلك عن عودة نجم هوليوود كيفن سبيسي، المتهم بعدد كبير من وقائع التحرش كذلك، الى التمثيل مجددا.
ونظرة متفحصة على هذه الظاهرة، التي تشغل العالم، منذ تفجر فضيحة صانع النجوم والنجمات هارفي واينستين، تكشف الى أي مدى ساهم الفنانون والفنانات والمخرجون والأفلام في شهرة وتظهير مفهوم التحرش الجنسي، كما بات يعرف الآن عالميا.
هذه الظاهرة كانت معروفة وبقوة في كل محافل صناعة الأفلام والدراما في هوليوود وبوليوود وحول العالم، وفي الدول العربية أيضا، لكن كانت على ما يبدو جزءا أصيلا من هذه الصناعة، ولم تكن عيبا أو غير قانونية، حتى تفجرت قضية واينستين، وظهرت إلى العلن في 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” قصة مفصلة عن عقود من مزاعم التحرش الجنسي الممنهجة.

التحرش عربيا

تتزامن هذه القضايا مع تردد اسم الممثلة المصرية هدى المفتي هذا الأسبوع كضحية بعد ظهورها للدفاع عن موقفها من التحرش، بعد تردد اسمها، عقب اتهام مصور مصري للفنانين و”الرابرز”، وهو شاب اسمه أحمد طارق، بالتحرش بالفتيات ما دفع “إنستغرام” لغلق حسابه بعد الشكاوى الكثيفة من الفتيات ضحايا تصرفاته، وفقًا لحكاياتهن، وكان المُصور تعامل مع الفنانات، مثل المفتي وتارا عماد وأسماء جلال ومايان السيد وغيرهن كثر.
في المقابل، أعلن “الرابرز” مقاطعتهم للمصور.
كانت هذه مناسبة ليربط ناشطو وسائط التواصل، وهم باتوا بالملايين، ظاهرة التحرش بالسينما والفن في مصر والبلاد العربية.
وقد توافق جمهور عريض من هؤلاء النشطاء حول مسؤولية الأفلام في تدجين التحرش عبر الممثلات في الأفلام، بحيث أصبح الاعتراض عليه أمرا مستهجنا.
وساق بعضهم مقاطع من أغان حديثة أيضا ضمن أفلام شهيرة مثل “كل مرة بشوفك فيها ببقى نفسي أ .. أ”، تترافق مع غمزة من قبل المغني النجم في فيلم “سيد العاطفي”، وأغنية “أكتر حاجة بحبها فيكي هو دا، وأكتر حاجة شدتني ليكي هي دي”، مع تركيز النظر على مناطق من جسد المرأة كمؤخرتها وصدرها، من فيلم “كابتن هيما”.
وذكرت نشيطات جملا في صالات السينما، مثل “هوه دا”، التي تكررت في أفلام “عمر وسلمى” والنظرات المحدقة بأجساد الفتيات والسماح بلمسهن، وكيف كان ينطلق جمهور المشاهدين بالضحك مع صرخة الأنثى الخائفة، ويستمر الضحك وهم يشاهدونها تركض بعيدا.
ويرى المنتقدون أن هذا المشهد مثلا انتقل حرفيا من صالة العرض إلى المدرسة، ففي مقطع فيديو انتشر على موقع فيسبوك يظهر مدرس في مدرسة ثانوية وهو يحرك يده بسرعة أثناء مرور طالبة من أمامه خلال الشرح، وكأنه يحاول ضربها على مؤخرتها، تركض الفتاة مفزوعة ملتفتة خلفها لتتأكد أنها أفلتت من الصفعة، وسط ضحكات متوترة من الجميع.
ورغم أن الفيديو أثار سخط بعض الناس، لكنه حظي طبعا بضحكات آخرين مع إعادة مشاركة محمومة للفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذه المواقف والعبارات وغيرها من الجمل الواردة في الأفلام السينمائية، إلى جانب حركات لمس جسد المرأة عن عمد، والتلاعب اللفظي وإلإيحاءات الجنسية، كلها أمور لم تصدر عن أبطال الأفلام بشكل منفّر، بل جاءت ضمن سياق يستدعي ضحكا أو ما يسمى بالدارجة المصرية “إفيه” وباتت تستخدم من قبل غالبية الناس ليبدوا مرحين، وخاصة بين الشباب لتصبح هذه المواقف “اعتيادية جدا” و”روشنة شباب” متوقعة، كما تشرحها ناشطة مصرية.
ببساطة هي “لغة الجسد” التي يلعب عليها الممثلون في الأفلام، ومن بعدهم الشباب المقلدون الماهرون.
بطبيعة الحال لا ينتظر من السينما أن تربي، فهي ليست مركزا تعليميا، وهي وجهة نظر، وتروم الربح المادي والانتشار، لذا من المتوقع أن نرى فيها لمحات من حياتنا الواقعية، ولكن فن بعظمة السينما لا يمكننا تجاهل تأثيره على حياتنا اليومية.
فالسينما تعكس واقعا أصبح التحرش جزءا أصيلا منه، كما أوضح الفيلم الرائع “678” لنيلي كريم وبشرى من إنتاج عام 2010.
وكي لا نظلم السينما العربية أيضا فبعضها تناول هذه الظاهرة لمعالجتها والتنديد بها مثل “عمارة يعقوبيان”، في مشهد صريح جدا عن تحرش مدير العمل بعاملة تعمل لديه. و”بين السما والأرض”، سينما الأبيض والأسود لم تترك قضية التحرش، بل عالجتها من خلال المخرج الكبير صلاح أبو سيف. وهذا الفيلم من أوائل الأعمال التي وضعت المتحرش في المجتمع تحت المنظار السينمائي، وفي الفيلم شخصية “متحرش” آخر لعبها ببراعة الفنان الكوميدي عبد المنعم إبراهيم.
وفي فترة الثمانينيات كانت هناك حادثة شهيرة هزت المجتمع المصري وهي “فتاة المعادي” والسينما المصرية تناولتها في فيلم كامل عن التحرش والاغتصاب فجاء فيلم “المغتصبون” الذي حمل مصطلحاً صادماً، بطولة ليلى علوي، وإخراج سعيد مرزوق.
وهناك أيضاً فيلم “اغتصاب”، بطولة هدى رمزي، وفاروق الفيشاوي، وإخراج علي عبد الخالق.
ومن الأفلام التي قدمت مشهدا عن التحرش أيضا “واحد صفر” في المشهد الشهير، الذي قدمته الفنانة انتصار مع الفنان أشرف فاروق، الذي جلس بجوارها في الباص الحكومي، ثم وضع يده في أماكن حساسة بجسمها وظل يتحسسها حتى هجم عليها يحاول اغتصابها داخل الأتوبيس، فالمشهد أيضا كان واقعيا من مشهد لحادث شهير لـ”فتاة العتبة”، التي حاول التحرش بها أحد الأشخاص داخل الأتوبيس، وفي كراج العتبة الشهير.
والمعنى أن السينما ناقشت الظاهرة في حدود حجمها الطبيعي.

مسؤولية الإعلام

هناك عشرات القصص المتداولة على وسائط التواصل و”اليوتيوب” تتحدث عن أن صناعة بعض الفنانات تحديدا في العالم العربي مرهونة باستغلالهن جسديا، وهذا شرط بين المتعاقد والفنانة، وحين تثور الفنانة تعاقب فورا من خلال وقف الانتاج لها وحرمانها من المشاركة في المهرجانات والظهور على التلفزيونات، وهذا يعتبر حكما بالموت الفني على كل من ترفض التحرش بها، وهي ظاهرة مستترة، لكنها معروفة بشكل واسع لدى معظم الفنانات، خاصة أن الشركات المسيطرة على عالم الفن في الدول العربية هي خاصة ولا تتبع الدولة، لكنها مهينمة بشكل كامل على البث الفني، ولها أذرع أخطبوطية طائلة.
وقد عالجت بعض الأعمال في سوريا ولبنان والمغرب هذه الظواهر، لكن بالسير على حبال دقيقة جدا.
لا بل هناك تسريبات حول تحرش مسؤولين كبار في الإعلام في الدول العربية بمذيعات التلفزيون والمطربات، منها ما ظهر للعلن، ومنها ما لم يظهر بعد، وهكذا يصبح حاميها متحرش فيها!
ويبقي باب الموضوع مطروحا ومفتوحا، كيف ساهم الإعلام وبعض صناع الفنانين والفنانات بشكل كبير في تظهير مفهوم التحرش مجتمعيا، بحيث بات آفة منتشرة يخشاها الكثيرون الآن، وهي دملة متقيحة قد تنفجر، كما حدث في معظم دول الغرب.

* كاتب من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية