كلمات معبّرة تلك التي قالتها فيروز، فيروز الصوت الذي يندر أن يجود الزمان بمثله، صوتها الفيروزي المتكسّر الى شذرات من نور أزرق فيروزي، قالتها ذات يوم: «وحدُن» بكلمات طلال حيدر الشاعر المرهف والشفاف مثل زهر البيلسان، شاعر بعلبك الذي تحمل قصيدته ضياء القصائد المثلى. من هنا تظل نادرة قصائد طلال حيدر، كجواهر بارقة تسطع في ظلام العرب الواسع والكبير، وهذه الجوهرة ستكون باهرة ونادرة أكثر وأكبر وأسطع، حين يحملها صوت مثل صوت فيروز الثاقب للأكوان المدلهمة «وحدُن بيبقوا مثل زهر البيلسان… وحدُن بيقطفوا وراق الزمان» هذا الصوت هو نفسه غنّى «يا قدس يا مدينة السلام».
الآن الفلسطينيون وكالعادة وحدهم، لا أحد غيرهم يدفع الثمن، وهذا ما لمسته بنفسي، عن كثب وعن قرب وعن تجارب ماضية، تجارب حربية، حدثت في حصار بيروت، كان الفلسطينيون هم المقاتلون الأساسيون، مقاتلون يتصدّرون المشهد ببطولاتهم، ويتصدّرون الموقع بجهادهم ويتصدّرون الأخبار في الصحف والراديوهات وشاشات التلفزيون، من خلال الدم الذي يدفعونه بسخاء عال، وحدهم بلا مساند، بلا مساعد، بلا مشارك، دائماً وأبداً، وقد دفعوه في الأردن ولبنان وتونس، على شكل غدير جارٍ دون توقف، غدير يشبه الياقوت أحمر، إنه ياقوت سائل وجار كنهر بلا توقف، على مرّ الأوقات والأزمنة، ذلك أن الذي يتشرب الدم الغزير المنسفح هي الأرض والتاريخ والزمان، إذ هم وحدهم «بيقطفوا وراق الزمان» ودائماً كان الزمان يقف أرعنَ أمامهم، خرتيتاً يرعد من خَطْب ما يحدث لأبنائه الرعاديد، الذين أورثهم الزمان الأعمى المال والنفط والغاز والذهب، الخراتيت والرعاديد هؤلاء صاروا يزحفون أفواجاً في اتجاه السلام الدامي، مع دولة عدوانية مجرمة فاشية، عنصرية، عرب يرتدون الزي العربي، لكي يحضروا المسرح ويشاهدوا المأساة، هم بصمتِهم وعدم ردّة فعلهم، يقولون: نحن جئنا لنحضر الملهاة وليس المأساة، التراجيديا هي شأن إغريقي ونحن متناسلون من خيط الملهاة، بينما هناك صوت فيروز يهدر «يا قدس يا مدينة السلام» السلام الذي جُرح مرّات ومرّات، في الزمان العربي، وهو يلد الجبناء والورثة، ورثة خيط الملهاة الموصول بآبار النفط والغاز، الموصول بالزمن العربي الذهبي، الساعي بعلم أو دون علم الى إدامة الاحتلال البربري الدامي لفلسطين أرض المقدسات، والبقعة الكريمة. واخجلتاه من هذا الزمن العربي، الساعي بهمّة لا توصف الى ترميم الاقتصاد العالمي ورأب شروخه، وهو ينزف ثروته في كلّ من تل أبيب وأوكرانيا، وقبلهما في الحرب التي أشعلها على أرض بابل، بابل الحضارة الأولى، تلك التي يحاول اليانكي طمسها، وتدمير سماتها وتراثها وعوالمها، هذا دون أن يغفل لحظة واحدة عن استنزاحه لآخر قطرة من النفط العراقي، اللجيني في آباره الفضية.
واخجلتاه من هذا الزمن العربي، الساعي بهمّة لا توصف الى ترميم الاقتصاد العالمي ورأب شروخه، وهو ينزف ثروته في كلّ من تل أبيب وأوكرانيا، وقبلهما في الحرب التي أشعلها على أرض بابل، بابل الحضارة الأولى، تلك التي يحاول اليانكي طمسها، وتدمير سماتها وتراثها وعوالمها، هذا دون أن يغفل لحظة واحدة عن استنزاحه لآخر قطرة من النفط العراقي، اللجيني في آباره الفضية.
حين أخلو لنفسي في هذه اللحظات، وأسمع خرير الدم في غزة هاشم، تلتبس عندي المواقيت وتندغم الأزمنة، فتنهض بيروت بين يدي كشظية قديمة، وتظهر قرب عيني عمارات دامية، جالسة كلها بأثاث منازلها وحياة عوائلها وذكرياتهم وتواريخهم على الأرض في بيروت، فأخلط حينها بين بيروت وغزة والجنوب اللبناني، بين الخيام والخيام، بين الخيام الجنوبية للبنان والخيام الحالية، في هذا الزمان العربي الدامس، حيث تلتبس الرؤية على المرء وتغبش، بين خيام الرحيل والتهجير القسري الأول لعام 1948 وبين الخيام الغزاويّة هذا اليوم، خيام وخيام وخيام، وثمة قصور وناطحات سحاب على الرمال، للعربي الذي يرفد الاقتصاد الأمريكي، الذي يموّل اليانكي الأمريكي الذي يموّل الجندي الصهيوني، هذا الذي مهمته وعمله وشغله الآن هو فعل الإبادة وممارسة القتل اليومي، قتل لا يتوقف لحظة، وتهجير يمارس للفلسطيني الشبيه بالهندي الأحمر، غاية في الوصول إلى فرض الواقع الديموغرافي الجديد، في زمن الذكاء الاصطناعي الذي سيخترع ويصطنع أكثر من إسرائيل في محيطنا العربي، إسرائيل التي تُقيم الخيام وتفرض الواقع الدامي، الواقع المُخيّمي فوق أرض يسوع، حتى تتكدّس المخيمات بالأشلاء والجرحى والمرضى والمعاقين، أما الشهداء فهم من روا الخيام، ودفعوا الثمن «وحدهم» لا أحد غيرهم، ليس ثمة من آخر يقاتل إلى جانبهم، «وحدُن» كانوا يدفعون الثمن في حرب غير متكافئة، بين برابرة العصر الحديث، هؤلاء المدججين بالسلاح الذين يدّعون الحضارة، وبشر عزّل، يسكنون سجناً عالمياً واسعاً وكبيراً، كون الإنسان الغزي محاصراً في حياته اليومية في غزة من جميع الجهات، وجاهزاً في نظر سارق الأرض للإبادة الجماعية، فالآلة العسكرية الصهيونية جاهزة لتعمل في أي لحظة، حيث منهجها ونهجها وسياستها العصرية هو التطهير العرقي المقونن، والمشرعن من القادم الدخيل على الأرض، القادم من بولندا وكندا وأمريكا وفرنسا وروسيا ورومانيا وألمانيا، وهنغاريا والتشيك وسلوفاكيا ناهيك عن القادمين من البلاد العربية، كوزير الدفاع ذي الأصول المغربية الذي وصف أهل غزة بأنهم «حيوانات بشرية «، وهنا لا بد من طرح السؤال نفسه على أولئك الذين يحاربون المرء تحت شعار معاداة السامية، ألا يدفعهم شعورهم الإنساني لمحاسبة وزير الدفاع الإسرائيلي على هذا القول الأحمق والنازي؟ كذلك ألا يتورّع وزير أكبر قوة في العالم، حين يقدم نفسه الى السفاح العالمي الجديد نتن ياهو على أنه جاء وحضر إلى إسرائيل ليناصرها كونه يهودياً أباً عن جد؟ ألا يخجل المجتمع العالمي وعلى رأسه الاتحاد الأوروبي، من هذا التصريح الفاشي المتطرّف لدولة كبرى؟
إذن وحدهم الفلسطينيون من يدفع الثمن، لا أحد غير الفلسطيني من استشهد وضحى في القصف المتواصل، وحدهم الناس البسطاء والفقراء، وحدهم الأطفال وبراءاتهم من دفعوا الثمن في مسلسل الضحايا، دم سائر وسائل وسائب على طول الطريق، هذا الطريق الذي يبدو أنه ليس له من نهاية، طريق بدأ في يافا وحيفا وعكا، وانتهى بغزة والقدس والضفة الغربية، طريق طويل معبّد بدم الشهداء، شهيد تلو شهيد، إنها فاشية عادية لا يهمّها موت الشيوخ واستشهادهم، لا يهمّهم قتل النساء والمرضى والعاجزين في دورهم ومستشفياتهم، والفتيان والصبايا في مدارسهم، والعمال في مصانعهم، والموظفين في دوائرهم، إنها فاشية عادية تقتل وتستبيح وتُشرّد وتُهجّر وتبيد متى تريد، دون عقاب، دون رادع، دون حساب من أحد. لذا وحدهم الفلسطينيون من يدفعون الثمن في سجلات التاريخ، وعلى مدار الأزمنة المتوالية، ومنذ مئة عام وإلى الآن، وحدهم يدفعون أثمان التراب السليب وروح الأرض المصادرة، وحدهم في سوح القتال، يردّون الأذى عن بهاء الأهلة ونور الصلبان، وحدهم.
شاعر وكاتب عراقي