يعتقد كثير من التونسيين ممن لم يتعمقوا في دراسة تاريخ الحركة الوطنية لبلادهم، أن فرنسا بعد أن وقعت على معاهدة استقلال تونس في 20 مارس 1956 ـ أي بعد أقل من سنة على توقيعها على وثيقة أخرى تتعلق بالاستقلال الداخلي قصمت بها ظهر الحركة الوطنية وشطرتها إلى نصفين ـ غادرت البلاد بجيوشها ومستوطنيها وعملائها إلى غير رجعة وخلفت بنية تحتية راقية ومنجزات بالجملة.
ويجهل جل هؤلاء أن الجيش الوطني التونسي وقوات الحرس الوطني، خاضا بعد الاستقلال معارك لإتمام تحرير البلاد من الجيوش الفرنسية الغازية، التي بقيت مرابطة رغم التوقيع على معاهدة الاستقلال في باريس، من قبل وزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو والمرحوم الطاهر بن عمار نيابة عن ملك تونس باعتباره وزيره الأكبر. وتم تدريجيا وعلى سنوات إجبار القوات الفرنسية على التجمع في مدينة بنزرت في أقصى شمال البلاد، خصوصا بعد أحداث ساقية سيدي يوسف ـ القرية الحدودية المتاخمة للجزائر، التي قصفتها الطائرات الفرنسية عقابا للخضراء على دعمها للثورة الجزائرية ـ تمهيدا لمعركة الجلاء التي حصلت لاحقا، بقرار من الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة. وأيضا تمهيدا لطرد المستوطنين الفرنسيين من الأراضي الزراعية التونسية بقانون وقع عليه الرئيس بورقيبة نفسه على المنضدة ذاتها التي أمضى عليها ملك البلاد محمد الصادق باي معاهدة الحماية الفرنسية المذلة التي فرضتها عليه الجيوش الفرنسية الغازية والجنرال بريار سنة 1881.
وقد دفع التونسيون في هذه المراحل من تثبيت الاستقلال الثمن غاليا جدا من دمائهم الزكية التي سالت في سبيل تحرير الوطن وتحقيق العزة والكرامة. وانخرط جلهم في المعركة التحريرية، ولم تبق جهة من جهات البلاد إلا وتجند سكانها لمحاربة المستعمر، يتملكهم وعي مفاده أن ثورة 1952 المسلحة ضد الاستعمار، لم تنته يوم 20 مارس 1956 بتوقيع فرنسا على وثيقة استقلال تونس، بل كان لا بد من مواصلة الكفاح لتحقيق هذا الاستقلال واقعا على الأرض. لقد تركت فرنسا، تونس الخضراء خرابا تنعق فيه الغربان، ولم تشيد فيها شيئا ذا بال على مستوى البنى التحتية، مقارنة بما شيدته في باقي مستعمراتها الأفريقية والمغاربية على وجه الخصوص. وكل ما تم إنشاؤه بعد الاستقلال من مشاريع ضخمة وعملاقة، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية أو بالمؤسسات الاقتصادية الكبرى للقطاع العام، تم بسواعد التونسيين وببعض المساعدات من صندوق النقد الدولي، وذلك بعد أن تخلت فرنسا وكثير من الأشقاء العرب من أصحاب الأرصدة المنتفخة عن تونس واستثمروا في بلاد عربية ومغاربية أخرى. كما تركت فرنسا البلاد التونسية وقد فاقت نسبة الأمية فيها الثمانين في المئة أو يزيد، بعد أن انتهجت سياسة تمنع انتشار المدارس في مختلف جهات البلاد، وأجبرت المراهقين والشباب في البلاد المغاربية على الانقطاع المبكر عن التعليم للانخراط في الجيش الفرنسي للقتال في الصفوف الأمامية خلال الحربين العالميتين وفي حرب الهند الصينية وغيرها. لذلك راهنت دولة الاستقلال على التعليم، ونجحت في رهانها إلى حد بعيد، بعد أن أنفقت عليه ثلث ميزانيتها عوض ضخها في التسلح وعلى مزيد تطوير شبكات الطرقات والسكك الحديدية ووسائل الاتصال وغيرها من المشاريع الكبرى.
لذلك فمن الإجحاف والظلم، وتونس تحتفل بالذكرى الستين للاستقلال، أن يخرج البعض من المحسوبين على تيارات سياسية معروفة ليشكك في استقلال الخضراء وفي بناة دولة الاستقلال، وعلى رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة، خاصة أن أغلب هؤلاء يطلقون الأحكام جزافا ولا يستندون إلى دليل علمي أو بحوث في موروث الحركة الوطنية التونسية، ويخوضون في التاريخ انطلاقا مما تناهى إلى مسامعهم من كبار السن على وجه الخصوص.
ويستند هؤلاء في أغلبهم إلى مقولة «شعبوية» رددها البعض وسرت بين الناس سريان النار في الهشيم مفادها، أن الحبيب بورقيبة قد أخفى وثيقة الاستقلال الموقعة مع فرنسا عن التونسيين، وأن هذه الوثيقة تتضمن تنازلات في شتى المجالات قدمتها تونس لباريس لا يرغب الزعيم الراحل في أن يطلع عليها الشعب حتى لا يتهم رئيسه بالخيانة العظمى. والحقيقة أن من أمضى على وثيقة الاستقلال لم يكن الحبيب بورقيبة، الذي لم تكن له صفة ليوقع على اتفاق بمثل تلك الأهمية سيحدد مصير الخضراء. لقد كان بورقيبة في ذلك الزمن فقط قائدا لحركة من حركات التحرر في العالم، وكان لتونس ملك تمت الإطاحة به بعد أكثر من سنة من الاستقلال بإعلان الجمهورية، وكانت لها أيضا حكومة تم تفويض رئيسها السيد الطاهر بن عمار للإمضاء على الاتفاق. ولم يكن الطاهر بن عمار مجبرا على أن يودع نسخا من هذه الوثيقة في صناديق بريد التونسيين ليطلعوا عليها، ولا أن ينشرها في الصحف والمجلات، خاصة وقد نشرت في الجريدة الرسمية التي تسمى في تونس «الرائد الرسمي». وكان من المفروض على المشككين أن يتمرسوا على البحث في الأرشيفات التونسية والفرنسية وغيرها، وأن يبذلوا جهدا لإيجاد هذه الوثيقة عوض هذا الكسل المعرفي، لأن التاريخ هو بحث بالأساس، أو هو نظر وتحقيق، على رأي العلامة ابن خلدون.
ويشار إلى أن البعض قد تجشم عناء البحث عن هذه الوثيقة وجلبها من الأرشيف الوطني التونسي في مناسبة الذكرى الستين للاستقلال. وتم النشر في مواقع متعددة للرد على المشككين في استقلال هذه الربوع التي أطلقت عليها في عصر ما تسمية قرطاج، ثم أفريكا، فأفريقية (مع الفاتحين المسلمين)، ليستقر بها المقام تونس الخضراء في العصرين الحفصي ثم العثماني وصولا إلى يوم الناس هذا. فمفهوم السيادة هو مفهوم نسبي، ولا توجد دولة في عالمنا المعاصر تتمتع بسيادة مطلقة على قرارها وعلى ثرواتها، إذا استثنينا بعض الأمم الكبرى التي تعد على أصابع اليد. ولا يتصور عاقل أن دولة مثل تونس شنت حربا على الجيوش الفرنسية المرابطة على أرضها، وعلى مراحل، لتتوجها بملحمة تاريخية هي معركة الجلاء لتحرير آخر جيوب الاستعمار، مدينة بنزرت في أقصى الشمال وقاعدتها العسكرية، ثم أتبعت ذلك بقانون يؤمم الأراضي الزراعية التونسية وينتزعها من المستوطنين الفرنسيين، يمكن أن يتم التشكيك في استقلالها.
من الوارد أن تونس قدمت بعض التنازلات لفرنسا للتسريع باستقلالها والانطلاق في عملية الترميم وإعادة البناء في أسرع الآجال، نظرا لأهمية عامل الزمن في بلد حرم من حقه في الصحراء الكبرى الأفريقية الغنية بالثروات، وقد فعلت ذلك أغلب البلدان العربية والأفريقية، لكن هذه التنازلات، التي لا تتعدى بيع الفوسفات أو الملح التونسيين للفرنسيين بسعر تفاضلي، أو تدريس لغة المستعمر كلغة ثانية في المدارس التونسية وغيرها، لا ترقى إلى درجة التشكيك في الاستقلال برمته والمطالبة بإعادة كتابة التاريخ على هذا الأساس.
فهناك من الدول من قدم تنازلات لمستعمره السابق، يرى البعض أنها فاقت ما قدمه التونسيون، ومن ذلك السماح لهذا المستعمر بالقيام بتجارب نووية على أرضه كإحدى ورقات المقايضة لتسريع العملية التفاوضية. ورغم ذلك لم نسمع صوتا مشككا في هذا الاستقلال من قبل شعوب هذه الدول، وذلك احتراما لأرواح الشهداء والأبطال الذين سقطوا دفاعا عن الحرية والكرامة.
٭ كاتب تونسي
ماجد البرهومي