دبت الافراح والليالي الملاح في عدد كبير من مدن العالم على مدى الأيام الماضية، بعد ارتفاع عدد المتأهلين الى نهائيات كأس العالم 2018 في روسيا، الى 23 منتخباً، بينها البلد المضيف، مع بقاء 9 مقاعد ستحسمها 3 منتخبات افريقية خلال الجولة الاخيرة من تصفياتها، و4 عبر الملحق الاوروبي، ومنتخبان عبر الملحق العالمي خلال الشهر المقبل.
أكبر فرحتين لمستا الوجدان العربي خلال الجولة الماضية، كانتا فرحتي مصر والارجنتين، صاخبة ومدوية ومؤثرة، خصوصا انها جاءت بعد مشقة وعناء، وطبعا صفقنا ورقصنا مع الفراعنة وكتبنا الكلمات الخالدة عن ميسي ومعجزاته، الا انني اخترت أن أنظر الى الأمر بمنظور مختلف بعدما هدأت طبول الفرح وصيحات التبجيل والفخر، لأستدرك ان حقيقة فرحة المصريين والارجنتينيين لم تكن سوى ضحكة من أنقذ من الغرق، او انتشل من حظام مبنى متهدم.
بدأت أفكر في مصر، صاحبة نسبة السكان الأعلى عربيا وافريقيا، والتي لديها هوس كبير بكرة القدم، بل ان الشعب المصري مقسوم برجاله ونسائه وأطفاله وعواجيزه ما بين «احمر» و»ابيض»، أي ما بين تشجيع الاهلي والزمالك، ومن رحم هذا الانقسام والعشق الخالص والنقي للعبة الشعبية الاولى في العالم، دائما كانت تولد مواهب فذة، بل في الواقع لم تتوقف مصر عن أن يكون لها نجم بارع فوق العادة على مدى الاربعين او خمسين سنة الماضية، ولو عدنا فقط لموهبة واحد من أفضل من أنجبتهم الكرة المصرية، محمود الخطيب الذي تألق في السبعينات، وحتى جيل موهبة محمد أبو تريكة، فاننا سنجد انه من العار ان جيليهما لم يتأهلا الى نهائيات كأس العالم أبداً، بل ان جيل حسام حسن، الذي توسطهما هو الذي شارك في مونديال 1990، التي كانت المرة الثانية في تاريخ البلاد، وجفت العيون منذ حينها.
لا مانع من التعبير عن العاطفة الجياشة بعد هكذا انجاز، لكن من المنطقي أيضاً أن يبحث في اسباب الاخفاقات السابقة، وعن سبب نجاح المنتخب الحالي في التأهل، وعلينا أن تساءل، ماذا اختلف جيل محمد صلاح عن جيلي الخطيب وأبوتريكة؟ طبعا من الصعب القول ان حسن الادارة والتخطيط قادا الى الانجاز بقدر القول ان السبب البديهي هو وجود نسبة كبيرة من المحترفين تحت تصرف المدرب هيكتور كوبر، بينهم 6 في الدوري الاصعب في العالم «البريميرليغ»، ورغم ان نجوما مثل ميدو وغالي وسعيد وعمرو زكي، لعبوا ايضاً في الدوري الانكليزي، الا ان الفارق الجوهري، ان الجيل الحالي تمتع بالانضباط والسلوك الاحترافي، وهو ما لم يفعله سابقوهم، فانتقلت خبرتهم الاحترافية الى المنتخب، وطبعا ساهم في التأهل، وهو ليس السبب كله.
طبعا العالم كله هلل لروعة ليونيل ميسي، ودوره البطولي في نشل الارجنتيني من خيبتها ودفعها الى نهائيات المونديال، وكأن هذا الفوز الاخير على الاكوادور اصبح مساويا للفوز بلقب وبطولة، وهو ما أخفق به ميسي ورفاقه ثلاث مرات متتالية في الاعوام الثلاثة الاخيرة. في الواقع خيبة الارجنتين تبدأ من أعلى الهرم، وتحديدا هرم الاتحاد الارجنتيني المليء بالفساد وسوء الادارة، وكأن هناك شعورا لدى ميسي وزملائه، بان مواهبهم وطاقاتهم تهدر لمصلحة أناس لا يستحقونها، ولهذا السبب، لا شعوريا، عانت الارجنتين في التصفيات، ولأن من الطبيعي ان تكون الارجنتين تقارع غريمتها البرازيل على الصدارة والتأهل المبكر، فان نيمار وزملاءه تفاعلوا مع المدرب الجديد تيتي بامتياز، الا ان العكس حدث لراقصي التانغو مع مارتينو وباوزا وحتى الآن مع سامباولي، والسبب هو القهر اللاشعوري من سوء ادارة المسؤولين.
الفرحتان كانتا مدويتين، والسبب هو تنفس الصعداء على تحقيق أمر كان يتوجب حدوثه مسبقاً وبصورة أسهل وأيسر، فكرة القدم ليست مجرد 11 نجما يستعرضون مواهبهم، بل لهم أحساسيهم ومشاعرهم وتحفظاتهم أيضاً.
خلدون الشيخ