التوافق لغة هو مرادف للانسجام والتفاهم، ويحمل التوافق معنيين، إما التقارب وإما وحدة الرأي المطلقة، والتوافق يعني من الناحية الفلسفية أَن يسلكَ المرءُ مسلَكَ الجماعة ويتجنَّبَ ما عنده من شذوذ في الخُلُق والسُّلوك. ويرى البعض أنه لا يجوز أن تتوافق الطبقة السياسية في أي مجتمع إلا على ما اتفقت عليه الأغلبية المجتمعية، وليس الأغلبية السياسية التي تتغير من فترة انتخابية إلى أخرى.
أي أن الأحزاب السياسية، خصوصا العقائدية منها يجب ألا تنصب نفسها وصية على المجتمع.. لأن هذه الأحزاب في النهاية لن تحافظ على الأغلبية أبد الدهر والتفويض الممنوح لها هو في نهاية المطاف مؤقت وغير دائم ومرتبط بفترة زمنية محددة ولأجل غرض بعينه.
ويبقى التوافق رغم ذلك آلية مهمة في عملية إدارة المراحل الانتقالية، بالنسبة للبلدان التي تعرف أوضاعا استثنائية، أو البلدان صغيرة الحجم التي اختارت نظاما سياسيا يصعب على حزب ما أن يحصل فيه على أغلبية مريحة من المقاعد. والأمثلة عديدة في هذا المجال، ويمكن استحضار الحالة الهولندية الفريدة والرائدة التي تمكنت فيها أحزاب تقف على طرفي نقيض إيديولوجيا وعقائديا من الاتفاق على برامج حكومية و»التعايش» في حكومات موحدة قادرة على الصمود وإتمام الولاية الانتخابية. في المقابل فإن هناك تجارب مقارنة لبلدان صغيرة الحجم واختارت أنظمة سياسية، لا تمكن أيا من الأحزاب الاستفراد بالحكم، تسعى إلى التوافق لكنها لم تجن سوى الفشل والخيبات وإن بدرجات متفاوتة. ففي بلجيكا حال التنافر بين القوميتين الفلامنك والوالون، دون حصول التوافق المنشود، أو لنقل تسببت في مروره باهتزازات من حين لآخر أثرت سلبا على استقرار النظام السياسي، وفي لبنان حال التشرذم الطائفي وحالة اللااستقرار التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، دون نجاح الحالة التوافقية التي نشأت بعد اتفاق الطائف، الذي أنهى رسميا الحرب الطائفية التي عصفت ببلد الأرز لقرابة العقدين من الزمان.
واحتدم الجدل حول ما يمكن أن نطلق عليه «التجربة التوافقية التونسية»، إذ يرى البعض أنها من التجارب الناجحة إلى حد الآن وهي مثال يحتذى لبلدان العالم التي تروم شق طريق الانتقال الديمقراطي ذاته. فيما يرى آخرون بأنها تجربة تشوبها هنات ونقائص كبيرة وجب العمل على تداركها، أو تغيير شكل النظام برمته حتى لا نكون بحاجة في المستقبل، وبعد اتمام المرحلة الانتقالية، التي يراها البعض متواصلة في غياب إجراء الانتخابات الجهوية والمحلية، إلى «التوافق» بما أن تونس دولة موحدة غير فيدرالية، ولا وجود فيها لطوائف ومكونات إثنية وعرقية، تجعل مواصلة الحاجة إلى التوافق ضرورة لا مفر منها بعد إتمام المرحلة الانتقالية.
ويقسم البعض المرحلة الانتقالية في تونس إلى مرحلتين: مرحلة الشرعية التوافقية، التي أوصلت البلاد إلى انتخابات 23 أكتوبر 2011، ومرحلة الشرعية الانتخابية التي تلت هذه الانتخابات، وفي كلا المرحلتين عرفت البلاد جملة من التوافقات فرضها إما الواقع أو الضغط الجماهيري، واختلفت التقييمات المتعلقة بهذه التوافقات. لقد بدأت مرحلة الشرعية التوافقية فعليا حين تسلم فؤاد المبزع مهام رئاسة الجمهورية تطبيقا لأحكام الفصل 57 من دستور يونيو 1959 وقد أدت خلال تلك المرحلة ما اصطلح على تسميتها بـ»الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي» دورا بالغ الأهمية.
ينص الفصل 57 من دستور الأول من يونيو سنة 1959 على أنه، وعند شغور منصب رئيس الجمهورية لوفـاة أو ﻻستقالة أو لعجز تام، يجتمع المجلس الدستوري فورا، ويقرّ الشغور النهائي باﻷغلبية المطلقة ﻷعضائــه، ويبلغ تصريحا في ذلك إلى رئيس مجلس المستشارين ورئيس مجلس النواب، الذي يتولى فورا مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة، ﻷجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه ستون يوما. وإذا تزامن الشغور النهائي مع حل مجلس النواب، يتولى رئيس مجلس المستشارين مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة للأجل نفسه….
لقد توافقت أغلب الأطياف السياسية والاجتماعية التونسية على ضرورة المضي قدما في تطبيق مقتضيات الفصل 57 المشار إليه تجنبا للفراغ الذي قد يدخل البلاد فيما لا يحمد عقباه. فقد عرفت بلدان أخرى شهدت أحداثا مشابهة، على غرار العراق وليبيا واليمن (إلى حد ما)، حالة من اللااستقرار السياسي بسبب قطعها نهائيا مع الماضي، وعدم اعتماد آليات نقل السلطة في دساتير أنظمتها المطاح بها،
لذلك اعتبر البعض الخيار التونسي خيارا مثاليا، في ما ذهب البعض الآخر إلى انتقاد هذا الخيار إلى حد اعتباره ثورة مضادة أجهضت المسار الثوري التونسي منذ البداية. وقد كان من المفروض بحسب هؤلاء أن يتم القطع نهائيا مع النظام المطاح به، لا أن يصبح رئيس برلمانه في أعلى هرم السلطة التنفيذية بيده صلاحيات على غاية من الأهمية، ومن ذلك إصدار المراسيم التي تقوم مقام القوانين في غياب البرلمان الذي تم حله، والذي حاولت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي أن تحل محله.
تأسست هذه الهيئة في 15 مارس 2011، بعد اندماج هيئة حماية الثورة مع اللجنة المؤقتة للإصلاح السياسي التي هي إحدى ثلاث لجان للإصلاح عينت من قبل الحكومة التونسية. وقد لقيت هذه الهيئة، التي ضمت إسلاميين واشتراكيين وقوميين عربا وشيوعيين وأيضا مستقلين، معارضة شديدة من قبل البعض، تتعلق بالأساس بتركيبتها التي لم تضم جميع المكونات السياسية ومنظمات المجتمع المدني و»الشخصيات الوطنية». ولعل ما يحسب لهذه الهيئة، بحسب البعض، أنها انتخبت أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وحددت نظامها. كما أنها وضعت «قواعد» كانت بمثابة القانون الانتخابي المؤقت، وهو ما ساهم في انتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، وفي خروج البلاد من مرحلة الشرعية التوافقية إلى مرحلة الشرعية الانتخابية. لقد بدأت هذه المرحلة فعليا بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 التي أوصلت الترويكا إلى الحكم، وتواصلت إلى حين انتخاب مؤسسات الدولة الدائمة وشهدت حوارا وطنيا انبثقت عنه حكومة توافقية مؤقتة.
لقد شهدت هذه الفترة الكثير من الاضطرابات والخلافات، وشهدت أيضا اغتيالان سياسيان بارزان. ويرى البعض أن من بين أسباب حالة اللااستقرار في تلك الفترة هو استفراد الترويكا بالحكم وعدم جنوحها إلى التوافق في كثير من المسائل المهمة والمصيرية، بحجة الشرعية والتفويض الشعبي الذي نالته في انتخابات 23 أكتوبر 2011 رغم أن المرحلة كانت انتقالية ومازالت البلاد لم تصل بعد إلى مرحلة الحكم الدائم.
ومن بين المسائل التي لم تكن محل توافق بين مختلف الفرقاء السياسيين مسألة مدة عمل المجلس الوطني التأسيسي، حيث التزم البعض بعدم تجاوز أجل السنة الواحدة لكن تم تجاوز هذا الموعد، وتراجع الملتزمون عما التزموا به. وبقي أجل إجراء الانتخابات في علم الغيب حتى خشي البعض أن تكون لدى الفريق الحاكم قناعة مفادها أن استحقاق 23 أكتوبر 2011 كان بيعة أبدية لا مجال بعدها لإجراء أي انتخابات.
ووصلت البلاد إلى حالة من التأزم حتمت التفكير في حل للخروج من هذا النفق المظلم، خاصة بعد خروج المعارضة إلى الشارع في «اعتصام باردو»، لإجبار الترويكا على وضع خريطة طريق للمواعيد السياسية، ومن ذلك موعد الانتهاء من كتابة الدستور، كما هدف البعض من وراء اعتصام باردو إلى إسقاط الحكومة وذهب البعض الآخر إلى حد المطالبة بحل المجلس الوطني التأسيسي وإلغاء كامل المنظومة المنبثقة عن انتخابات 23 أكتوبر 2011.
واقتنع التونسيون أخيرا بضرورة إجراء حوار وطني، خاصة ان المتغيرات الإقليمية فرضت نفسها أيضا ولم يعد بالإمكان تجاهل ما يحصل في الداخل وفي المحيط العربي وفي مصر على وجه الخصوص.
لقد مثل الحوار الوطني علامة فارقة في المسار الانتقالي التونسي، حيث حصل فيه العديد من التوافقات التي أشاد بها الداخل والخارج عن حد سواء، حيث جلس الجميع على طاولة رباعي المجتمع المدني الراعي، وعلى رأسه الاتحاد العام التونسي للشغل، وانبثقت جملة من التفاهمات خففت من حالة الاحتقان التي كانت السائدة ومن منسوب التوتر الذي بلغ مستوى خشي معه كثيرون من الاقتتال الأهلي.
لقد تم الاتفاق على موعد الانتهاء من كتابة الدستور الذي ضمن له الحوار الوطني أيضا أن يصدر في صيغة توافقية، وتم الاتفاق على أن تستقيل حكومة علي العريض وتخلفها حكومة كفاءات من غير المتحزبين تصرف الأعمال إلى حين إجراء الانتخابات. كما تم الاتفاق على ألا يترشح أي من أعضاء هذه الحكومة إلى الانتخابات لضمان حياديتها. وأدى التوافق إلى إصدار دستور البلاد الجديد في 26 يناير 2014 رغم ما طاله من انتقادات، من حيث الشكل والصياغة والتناقضات التي شابت بعض أحكامه، وإلى إجراء الانتخابات التشريعية، والرئاسية على دورتين. وتمكنت البلاد من العبور من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الوضع الدائم.
ويرى البعض أن المرحلة الانتقالية في تونس لم تنته بعد وأنها متواصلة مادام لم يتم بعد انتخاب ممثلي الشعب على المستويين الجهوي والمحلي، وأن التوافقات التي أنجحت المراحل السابقة يجب أن تتواصل في مقبل الأعوام، مادامت التجربة الديمقراطية حديثة ولم يشتد عودها بعد. فالتجربة الانتقالية اثبتت أنه كلما توافق التونسيون (مرحلة ما قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 والحوار الوطني) وعبروا بنجاح إلى بر الأمان، وكلما استفرد طرف ما بالرأي (مرحلة حكم الترويكا) سارت الأوضاع نحو التأزم.
٭ كاتب تونسي
ماجد البرهومي