العراقي شاكر الأنباري في «مسامرات نهر بزيبز»: رواية الحرب التي لا تنتهي

حجم الخط
0

 

كأن الحرب لا نهاية لها، كأنها هي الحياة بذاتها، حرب تجرّ أخرى، ولا أمل يلوح في الأفق الرمادي المُلبّد بسديم الحروب، وغيومها التي تغطي سماء بلاد كاملة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق حتى الغرب. حرب تلد الثانية، والثالثة، وخلخلة وزعزعة وتفكك في بنية مجتمع كبير، متعدِّد الهُويات والثقافات، مثل المجتمع العراقي الذي وسمته حروب الداخل والخارج، حروب الأقاليم وحروب عابرة للقارات والمحيطات بالهلاك، فضلاً عن حروب الطوائف وزعمائها، الحروب الشيطانية التي طحنت آمال العراقيين فابتلعت حاضرهم والتهمتْ مستقبلهم، وساستهم نحو التفجُّع والفقدان، هذا ناهيك عن الخراب المتواتر الذي تركته على الذات الجمعية، وتحوّلاتها النفسية في عمق وروح وجوهر الإنسان العراقي .
كأن الحرب لم تنته بعد بالنسبة للروائي شاكر الأنباري، وكأنها مستمرة في كل منعطف ومساحة وزاوية من المكان العراقي، وهي حقاً كذلك، فالقبائل الطائفية لا تزال في احتراب دائم، والميليشيات المسلحة كذلك، وما أكثرها في العراق، فهي مستمرة في صراعاتها داخل منظوماتها ورؤيتها الفكرية تجاه بعضها البعض. الوعيد ولغة التهديد بين ميليشيات الحشد الشعبي وميليشيات البيشمركه الكردية مستمرتان ومتواترتان وتظهران كلما دعت الحاجة المذهبية والنزعة القومية إلى ذلك، الكل ضد الكل. انتهاكات فاشية وبربرية ضد الأديان والمذاهب جميعها، وسياسة تكفير حتى للحجارة، والتراب والشجر، إنها سياسة الأوباش الجدد الذين عمموا الفوضى، وزرعوا جوهر الكراهية الكامن في نفوسهم الحاقدة والمريضة والجاهلة، في كل بقعة حلوا فيها من أرض العراق .
وفق هذا النسق الأسود، وتحت هذه السماء المدماة والجريحة، كتب شاكر الأنباري روايته «مسامرات جسر بزيبز» وهي تشكل امتداداً لتجاربه السابقة ولا سيما في رواياته «بلاد سعيدة» و»رماد الكاكا» و»نجمة البتاويين»، فهو الشاهد المعاصر والأمثل والأقرب لكل ما حدث في الحروب التي دارت رحاها في العراق، بدءاً بالحرب العراقية ـ الإيرانية، وانتهاءً بالحروب التي بدأت بعد التغيير وسقوط نظام البعث. حروب ملوك الطوائف التي شهد شاكر الأنباري الكثير من فصولها، بعد عودته إلى العراق وانخراطه في العمل والعيش هناك، آملاً في ترميم جروح المنافي التي تركت مياسمها عليه، بعد متوالية الهجرات والتشرد والتنقل من بلد إلى آخر، مثل إيران وسوريا وكردستان والبرازيل والدنمارك.
ولكن ما حدث هو العكس، فالترميم المرجوّ لم يحصل، حيث تراكمت الجروح وانسدت الآفاق وأصبح المواطن العراقي العادي، غير المدعوم من حزب مذهبي وسياسي وديني وقومي عرضة للمطاردات والشبهات، وربما هدفاً مؤجلاً للقتل وقابلاً للموت في أي لحظة، وهذا ما سرده الأنباري في مرويات حكائية، شبه بوليسية، وسط أجواء وفضاءات كان قد جسدها عبر روايته السابقة «بلاد سعيدة»، وعاد ليستكمل سرود دورة العنف هذه عبر سرديات مأساوية جديدة في «مسامرات جسر بزيبز»، متقصياً قدر الإمكان، كل ما حدث من تواريخ سوداوية ودموية، ودراماتيكية بُعَيد التغيير المفصلي الذي حدث في العراق، إباّن احتلاله من قبل القوات الأمريكية، ثم رسم مسارات مختلفة وجديدة للراهن العراقي والعربي .
تستند الرواية التي انطوت على أحد عشر فصلاً، على توهج الذاكرة وأنوار وقْدَتِها وهي تقدح، لتضيء دروب الماضي وأزقته الصغيرة، الملتوية والملتفة على الزمن ومنحدراته الكثيرة.
تتحدث الرواية بضمير المتكلم عبر لسان الراوي، وهو أحد الصحافيين الذين يروون ما جرى له ولعائلته وأبناء قريته، بعد التحولات التي شهدها البلد بعد غياب النظام السابق. القرية تتموضع في المنطقة الغربية، وقريبة من مركز محافظة الأنبار، تقع على كتف نهر الفرات، وقريبة من «جسر بزيبز» الذي يوصل المحافظة الغربية بالعاصمة بغداد .
من هنا وداخل عوالم مدينة أربيل التي يصلها الراوي، مهاجراً ومشرداً، يبدأ باستعادة أيامه الماضية، عبر استعادة سيرة قريته التي تعرَّضتْ للتخريب والتدمير والمحق على يد الوحوش الصغار والكبار، وهو يعني هنا بالوحوش الصغار تنظيم «القاعدة»، وبالوحوش الكبار «داعش» أي «تنظيم الدولة الإسلامية». فالمهاجر من قريته التي تقع شمال غرب محافظة الأنبار، يسترد ذات يوم وهو يعيش حياته الصغيرة ما بين المقهى والسوق والبيت في أربيل، يسترد ويستعيد سحر الماضي، وذلك الأريج القديم الذي كان يسبغ على الحياة، نوعاً من البساطة والبراءة الأولية، والنشأة البكر والطازجة لقرية فلاحية، تتموَّج بالأشجار والضفاف، ويلوِّنها القصب والنخيل والبردي والصفصاف والتوت وحقول القمح والنباتات البرية التي تميز القرية وتلوِّنها بتلك الآفاق الفيروزية، منذ نشأتها الأولى، حيث كان فيها دكان واحد ومستوصف واحد ومدرسة واحدة، حيث الحياة تبدو بسيطة ورقيقة وسهلة وذات مواصفات بدائية. فالقرية كانت تعيش منذ الخمسينيات على ضوء الفوانيس واللوكسات والمصابيح اليدوية، وعلى جلب المياه من السواقي والجداول، والينابيع ومياه النهر القريب والمتدفق على مر التاريخ .
يميل الراوي إلى أقرب شخصية له، وهو العم رشيد، ليكون الشخصية المحورية والرئيسية في العمل، مع ثلة صغيرة، تتكون من ماهر ابن عمه رشيد، ومن أخويه بشير ومصطفى، فضلا عن الأم والأب البعيد والجد والجدة، تنضاف إليهم الشخصيات العابرة والهامشية التي يتحتم السرد المرور عليها، مثل محمود، مختار القرية، وحمادي صاحب البستان، والمضمِّد عبد الذي كانوا يطلقون عليه لقب الدكتور، وصاحب الدكان زابط ومعلم المدرسة صالح، والجارة عفرا، وبعض المزارعين والمزارعات اللواتي يظهرن على مسرح الرواية .
تتكون القرية من بيوت الطين في بدايات نشأتها، وسكانها من البداة الأوائل الذين نزحوا من الصحراء، ليسكنوها ويقيموا فيها، كمزارعين وفلاحين وعمال مياومين، في أماكن تكون في الغالب خارج القرية، وأحياناً خارج حدود المحافظة .
تحت وقع هذه العوامل، يمضي الراوي في كشف خبايا القرية، وما يعتمل في عالمها الجوّاني من حكايا وأحاديث وأسرار، فيمضي في بث ضوء محكياته وتسليط السردنة حول التطور العمراني الذي لامس القرية، فتحولتْ من منزلتها الطينية إلى منزلتها الحجرية والصخرية، غبّ التأثر بالتحديث العمراني الذي جرى في العاصمة، إذ سرعان ما سرى وتسرَّب إليها، وحولها من قرية دامسة إلى قرية تشع بالنور والضوء. لقد مُدَّتْ إليها الطاقة الكهربائية، وكذلك أنابيب المياه وبُنِيت المستشفى، فلاحت عليها أيامئذ، علامات التحولات الحديثة التي شهدتها العاصمة وإنْ ببطء، مثل أي قرية صغيرة وحالمة .
وحين يمر الزمان ليخترقها بأحداثه الكثيرة، لا يهمل الراوي عبور الأزمنة وانعطافاتها التاريخية، فتطوِّر القرية مرتبط بالتواريخ العديدة التي تمر بها البلاد، ومرتبط بالتحولات التي تطرأ عليها، كتغيُّر نظام الحكم من الملكية إلى الجمهورية، مروراً بالانقلابات التي تحصل فيها، تلك التي غيّرت من وجه البلد ومن شكل مراحله وأوقاته البغدادية، وغيّرتْ من سيماء التاريخ، فالراوي يستعين بالأحداث والتفاصيل المكانية والزمنية لرسم صورة العم رشيد الذي تتزامن حياته مع كل التواريخ التي مرَّتْ، منذ الستينيّات حيث ظهور ظاهرة ارتياد السينما في بغداد وارتياد الحانات والملاهي الليلية، ليربطها بالقرية وبالبدايات الأولى لنماء القرية التي يمرّ فيها باص خشبي واحد في اليوم، إذ يذهب فيه الجد إلى المدينة ليجلب الشاي والسكر والحلويات والحاجيات الأساسية لزوجته ميّاسة، أيام كان الراوي صغيراً، وقت ذهابه معه، جالساً في صدر السيارة، وفي حضن الجد الذي تفوح من لحيته رائحة التبغ، عكس ابنه رشيد، أي العم، الذي يفوح منه عطر الريف. دور العم الذي يرتدي الجلابية والجاكيت، يتطور حسب رؤية زمانه ومكانه للباس، فهو في بغداد حين يقصدها يرتدي السترة والبنطلون ليبدو مثل أفندية بغداد الرافلين بنعيم السهر الليلي والشراب والطعام، فهو الخبير الذي خبر كل هذه المواضعات وجاء لينقلها إلى شباب القرية، مثل ماهر والراوي ذاته .
إذاً تحولات الزمن التي طرأت على الهيئة المكانية، تعكسها الشخصيات التي عاشت في القرية، أتراحها وأفراحها، وما العم سوى الشخصية التي وقع عليها عبء المعرفة بتاريخ القرية وتواتر ميقاتها، في هذا المكان الريفي المنسي، المنزوي والبعيد، والمختفي في تلافيف الأحراش والمقاصب والأعشاب البرية .
وبذا يظهر العم رشيد مثل كتاب للراوي، يقلب صفحاته، ليقع على ما يبتغي ويريد من حوادث وتواريخ وتفاصيل انطوت في أعماق شخصية العم رشيد الذي اختزن كل تلك الأوقات في داخله وعاصر العديد منها، منذ ظهور الراديو الذي كان يحمله الراوي مع عمّه رشيد، يوم كان يتنزه به بين دروب القرية وفضائها الرحب .
لكن هذه القرية البعيدة والمنسية، سرعان ما ستظهر كمعلم بارز مترع بالأحداث السوداء والمأساوية، نتيجة دخول «القاعدة» إليها، هذه الجموع التي ينعتها الراوي بـ «الوحوش الصغار»، ومن ثم وقوعها لاحقاً في أيدي «الوحوش الكبار»، والمقصود هنا «الدواعش» الذين دمّروا المدينة وهجّروا أهلها وأذاقوا الويل لسكانها، بغية إجبارهم على التعاون مع الفكر الأسود، الناضح مساره بالدم والهدم والمحق البشري. فالعم رشيد الذي كان له تاريخ مشرِّف في هزيمة الوحوش الصغار عبر تنظيم الصحوات الذي أسسه من أجل هزيمة «القاعدة» التي كانت موجودة على أرضهم، سوف يُقتل من قبل «الوحوش الكبار» باعتباره متعاوناً مع الأمريكان الجدد والقدامى، لتنتهي جثته وليمة للضباع والذئاب في صحراء المقبرة، ولينتهي الراوي هارباً مع زوجته وطفليه باتجاه «جسر بزيبز»، ناشداً الوصول إلى أربيل، بحثاً عن حياة أخرى.

شاكر الأنباري: «مسامرات جسر بزيبز»
منشورات المتوسط، ميلانو ـ إيطاليا 2017
206 صفحات

العراقي شاكر الأنباري في «مسامرات نهر بزيبز»: رواية الحرب التي لا تنتهي

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية