الفضائيات تحوّل رمضان الكريم إلى شهر للتسلية والتفكه… وأين تذهب أموال الزكاة

في الوقت الذي تتحول فيه الفضائيات العربية هذه الأيام إلى خلايا عمل تحضيرا لدراما رمضان، التي باتت لازمة في هذا الشهر الأكبر، شدني جدا فيلم قصير انتاج قطري – بحريني مبني، على قصة حقيقية بعنوان «أمنية»، حول تهرب الأغنياء من تأدية الزكاة وعدم وجود آلية في الخليج والبلاد العربية لجمعها وإيصالها إلى مستحقيها واتجاهها الصحيح.
حقق الفيلم خلال يوم واحد، على وسائط التواصل حوالي مليون مشاهدة. فكرته بسيطة جدا – وهو بطولة الفنان عبدالله مالك وسيناريو د. حسن الحسيني، واخراج محمد راشد الصقر- تلخص الحكمة كلها من هذا الشهر الكريم، حيث يتهرب الأغنياء من تأدية الزكاة، حسب أصولها، ويستبدلونها بزكاة شكلية من باب رفع العتب، رغم أنها ركن أساسي في الإسلام، لا يمكن اسقاطه.
يكشف الفيلم – وفق بحث للدكتور علي قرة داغي – أنه حسب إحصائيات عام 2008 بلغت الأموال المودعة في البنوك وفي البورصات الخليجية أكثر من أربعة ترليونات دولار (أربعة آلاف مليار دولار)، لو استخرجنا منها نسبة إثنين ونصف بالمئة وهو مقدار الزكاة الواجبة على الأموال فان النسبة تصل إلى مئة مليار دولار، وهذا مبلغ يستخرج سنويا.
هذه المبالغ الخرافية، التي تضاعفت خلال الثماني سنوات الماضية، بحيث إذا بقيت على حالها فقط فإن مجموع أموال الزكاة في دول الخليج لوحدها تبلغ 800 مليار دولا، هذا دون حساب تضاعف الثروة، ألا تنهي هذه الخيرات مشكلة الفقر في الخليج وفي البلاد العربية كلها، اذا لم تكن في البلاد الإسلامية كذلك؟!
هذا الفيلم ليس معروضا في التلفزات المحلية أو الفضائيات، حتى أن فكرته ليست مطروحة أصلا فيها، لماذا؟ هل المطلوب في هذا الشهر الفضيل من الفضائيات فقط اتخام الناس بالمسلسلات والبرامج السطحية، التي لا تتحدث إلا عن البطن والفرج والتسلية، وبسائط الأمور، بينما نحن في أوج الحاجة الآن لهذا النوع من البرامج في ظل وجود مجاعات حقيقية تاريخية تدمر بلدانا وأشقاء على طول الوطن العربي وعرضه، وتفسد أجيالا نتيجة الحاجة والفقر والجوع؟!

الشحاذة السياسية على الفقراء!

على الجانب الآخر عرضت فضائية دينية عراقية موقفا مهما وصريحا للشيخ اللبناني ياسر عودة من على منبر حسينية لبنانية يقول فيه بأسى ووجع: كهربا ما في.. مي ما في.. طبابة ما في.. زبالة في.. في عنا فقط بالروح بالدم نفديك يا فلان.. إيمت بدكم تفيقوا.. إلى متى ستبقون نياما.. هل هذا دين؟!
ويضيف الخطيب في جرأة: «نحن نقدر الزعيم بقدر ما يقدم لامته ولربه، بس وقت ما بده يركب على ظهرنا وما يطالب بحقوقنا شو بنا فيه!؟ حتى المراجع شو بنا فيها إذا بدهم يحولوا الدين لاحتياطات.. المرجع الذي يتبرع بخمسة ملايين دولار لتذهيِب مقام، وحاطط حاجة فقيرة جائعة معدمة على التلفزيون عم يشحذوا عليها، وعندها ابنها معاق في العراق، أي دين هذا؟ حين تجد آلاف النساء كبيرات السن لا يجدن من يرعاهن في الاسلام، ولا في بيت مال المسلمين، أي طامة كبرى على المرجع ومن حولها»؟!
ويستدرك قائلا: « كلنا جماعة علي بن أبي طالب رايحين على الجنة ليش؟ بحجة علي بن أبي طالب! لا يا عمي الدين مش هيك. والله الي يقرأ «نهج البلاغة» راح يكفر بكل هؤلاء الموجودين ويقودون باسم الدين. هذا ليس إسلاما، حينما ترى هذا الفقر والجوع يعمان لا يمكن أن تحترم علماء الدين المشغولين بكل شيء إلا بإصول الدين»!
ويذهب أبعد من ذلك قائلا: «علينا أن ننتقد.. علينا أن ننشئ جهازا يبحث عن الفقراء لمساعدتهم. ويضيف لا أمير المؤمنين بده تذهبله المقام ولا «العسكريين» بدهن تذهبولهم المقام أيضا. بدهم تطعموا الفقراء وتوفروا دواء للمحتاجين للعلاج.. بدهم تجوزوا الشباب العاطل، بدل أن تقولوا لهم صوموا.. صوموا إذا لم تستطيعوا الزواج.. الزكاة في بيت المسلمين فرضت لذلك ما فرضت للديكتاتوريات المرجعية ولا للحواشي والأزلام وأبناء المراجع! اذهبوا فتشوا عن الفقراء وساعدوهم ولا تتبروعوا لأي شيخ أو مرجع، هذا هو الدين». لا يمكن الاضافة لهذا الكلام فهو دعوة للنقاش والتأمل.

العدل أساس الملك

الخطأ ليس عيبا بل التمادي فيه وعدم تصحيحه هو العيب بعينه، مقارنة ما طرح في الفقرتين السابقتين بما حصل في الولايات المتحدة مثلا، وكيف سارعت الدولة إلى تصحيحه هنا تكمن الحكمة، فقد عرضت قناة «سي أن أن» قضية إنسانية مؤثرة جدا لشخص ذي أصول أفريقية سجن أربعين عاما قبل أن تثبت براءته.
«كوامي أجامو» اعتقل وهو ابن 17 ربيعاً، واتهم بقضية قتل وحكم عليه بالسجن المؤبد، وبعد 40 عاما ظهرت حقائق معاكسة لظروف المحاكمة وتمت تبرأته من التهمة وأطلق صراحه وهو أبن 57 عاماً !
المدهش في ذلك أنه عندما حكمت القاضية ببراءته، سألته ماذا يريد أن تحكم له كتعويض يليق بعمره عن أربعين سنة، وهو المظلوم حتى تحكم له به، واندهش الجميع عندما طلب بإعادة النظر في القوانين، التي تسببت في اعتقاله وظلمه فقط، ولم يطلب أي تعويض مالي وهو يبكي بحرقة على عمر ضاع في السجن وهو مظلوم، حينها قامت القاضية باميلا باركر، وتركت منصة القضاء وعانقت «أوجامو» بحرارة وصدرت أوامر مباشرة من البيت الأبيض بتشكيل لجنة من استشاريين وقضاة لإعادة مراجعة القوانين المتعلقة باتهام «كوامي أجامو».
وبعد أسبوع واحد من خروجه للمنزل تفاجأ بزيارة للرئيس الأمريكي باراك أوباما له في البيت برفقة أسرته، وتناول معه وجبة عشاء من إعداد السيده الأولى.
الحكمة هنا أنه يجب النظر إلى أن الله يشيد الدولة العادلة، وإن كانت غير مؤمنة، ولا يشيد الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة… فالعدل أساس الملك، كان وما زال وسيبقى.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

الفضائيات تحوّل رمضان الكريم إلى شهر للتسلية والتفكه… وأين تذهب أموال الزكاة

أنور القاسم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية