لا شك أن بطولة ويمبلدون، التي تحتدم منافساتها حالياً في جنوب غربي لندن، هي الأعرق في عالم كرة المضرب، فهي ثالث بطولات «غراند سلام» الأربع الكبرى من حيث الاقامة كل عام، والاعلى في عالم التنس من جهة المكافآت المادية والجوائز، وأي لاعب أو لاعبة، يحرز لقبها مرة فانه يظل خالداً الى الأبد.
أسماء أبطال ويمبلدون لا ينسون، وعندما تنظر الى القائمة الطويلة الممتدة الى العام 1877، فانك تقرأ أسماء الأبطال والى جابنهم علم بلدهم، الى أن يجذب نظرك العام 1954 والى جانبه علم مصر، رغم ان اسم البطل ليس عربياً… أنه ياروسلاف دروبني، لتتكشف قصة غريبة لأول بطل يحمل جنسية بلد عربي وافريقي، وأيضاً الأخير الى يومنا هذا.
قصة دروبني قد تبدو غريبة، فهو من مواليد العام 1921 في مدينة براغ، عاصمة تشيكوسلوفاكيا آنذاك، وظهر عشقه للعبة التنس في سن مبكرة، وشارك في بطولة ويمبلدون للمرة الأولى في عام 1938، وعقب الحرب العالمية الثانية، بدأت نتائجه تبرز في البطولة الأعرق في عالم اللعبة البيضاء، وتأهل الى الدور قبل النهائي في العام 1946، وبدأ أسمه يبرز بين موهوبي اللعبة، لكن عقب الانقلاب العسكري في تشيكوسلوفاكيا في 1948، بدأ يضيق الخناق على دروبني، خصوصاً من الممارسات الاشتراكيين الذين كانوا يحكمون البلد حينها، ومن استغلالهم له للترويج لأجنداتهم. حتى ذلك الوقت، كان دروبني أبرز رياضي في البلاد الى جانب الظاهرة، عداء المسافات الطويلة، ايميل زاتوبيك. وكان واضحاً عدم قدرة دروبني على السفر والتنقل بحرية وأريحية والمشاركة في البطولات المختلفة، اضافة الى عدم رضاه على الحكام الجدد لبلاده. فقرر أن يجد حلاً لهذه المشكلة. وفي صيف العام 1949 قرر الهجرة من بلاده مع زميله في منتخب البلد في «كأس ديفيز» فلاديمير تشيرنيك، خلال مشاركته في مسابقة غاشتاد في سويسرا. وكتب حينها: «كل ما كنت أملك قميصين وفرشاة أسنان و50 دولاراً». وكان دروبني وتشيرنيك نجمي المنتخب التشيكوسلوفاكي في «كأس ديفيز» وساهما في تأهله الى الدور قبل النهائي في 1947 و1948، حتى أن دروبني فاز بـ37 مباراة من أصل 43 في مسابقة «كأس ديفيز».
وبعدما أصبح مشرداً من دون بلد، حاول دروبني الحصول على أوراق رسمية للاقامة في سويسرا والولايات المتحدة واستراليا، من دون نجاح واضح، الى أن منحته مصر جنسيتها، فمثلها في بطولة ويمبلدون طيلة عقد الخمسينات، بدءا من 1950 الى 1959، وبين هذين العامين، نجح دروبني في الفوز ببطولتين في فرنسا (رولان غاروس) وهي أيضاً احدى البطولات الأربع الكبرى، لكن أبرز انجازاته كان الفوز بلقب بطولة ويمبلدون في 1954، ليصبح المصري الوحيد، بل الافريقي الوحيد، الذي يفوز بهذا اللقب. وخلال فترة التألق هذه كان دروبني يعيش في بريطانيا، ولم يسكن في مصر، وحصل على الجنسية البريطانية خلال مشاركته الاخيرة في بطولة ويمبلدون في العام 1960، عندما كان يبلغ الـ38 من العمر.
لا شك أن تأثير هذا الأمر، ظل متواضعاً، فلم تستغله مصر بتشجبع اقبال الشباب على لعبة التنس، ولم ينجح أحد من أفريقيا أو العالم العربي، في كسر احتكار عمالقة اللعبة، باستثناء بعض المواهب، خصوصا من المغرب العربي، كالعيناوي، خلال العقدين الماضيين، واليوم نرى التونسية أنس جابر تخوض معترك الكبار بدون نتائج ايجابية رنانة، ليظل دروبني التشيكي، صاحب العلم المصري الوحيد في أعرق بطولة تنس في العالم.
twitter: @khaldounElcheik
خلدون الشيخ