عاد الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، بعد زلزال 14 يناير 2011، ليتصدر اهتمام الرأي العام في تونس وبشكل لافت، الأمر الذي لم يحصل مع من سواه من حكام تونس، ومن ساسوا أمور العباد في هذه الأرض عبر العصور.
ليكون بامتياز الحاضر الغائب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، من خلال الجدل الذي شهدته الساحة السياسية بشأن أعماله، التي اعتبرها البعض مكاسب أسست لتونس الحديثة العصرية المواكبة للتحولات التي عرفها العالم في القرن العشرين، فيما اعتبرها الإسلاميون التونسيون أساسا، ومع آخرين، وفي جانب منها، استهدافا للهوية العربية الإسلامية.
كما عاد بورقيبة إلى الواجهة من خلال خشية الكثير من التونسيين من فقدان «المكاسب» الحداثية التي تحققت في عهده، على غرار المساواة بين المرأة والرجل، والتعليم العصري وغيرها من الإنجازات التي طالت مختلف نواحي الحياة، وأسست للمجتمع «الحداثي». ولا نبالغ إذا اعتبرنا أن بورقيبة هو من كان يقود الاعتصامات والمسيرات التي أسقطت حكم الترويكا بزعامة حركة النهضة وهو مسجى في قبره بمدينة المنستير، من خلال ما غرسته مدرسته من أفكار تنويرية لدى من نهلوا من معارفها من التونسيين. ففي داخل كل تونسي، شاء أم أبى، يوجد بورقيبة نفذ إلى أعماقه من خلال هذه المدرسة التي نجح من خلالها في بث ما يحمله من أفكار وتوجهات ورؤية مستقبلية استشرافية للإنسان التونسي، حتى أن البعض اعتبر أن تميز الحركة «الإخوانية» التونسية عن غيرها في محيطها الإسلامي واكتسابها للقدرة على المناورة والتأقلم مع المتغيرات وعدم غلوها في فهم النص الديني، سببه البيئة المتوسطية المعتدلة لتونس، وأيضا بورقيبة الذي تخرج جل قادة حركة النهضة من مدارس ومعاهد وجامعات أنشأها هو ووجه الخطوط العريضة لبرامجها التعليمية.
ولا يخفى على عاقل أن من أسباب نجاح الباجي قائد السبسي في الوصول إلى الحكم والتربع على عرش قرطاج، عمله مع بورقيبة، الذي أثار حنين فئة من التونسيين، من جهة، وتشبهه به شكلا ومضمونا من جهة أخرى. ويستحضر التونسيون جيدا تلك الصورة التي ظهر بها «سي الباجي» في مدينة قصر هلال بعد تأسيس حركة «نداء تونس» حين ارتدى نظارات شبيهة بتلك التي كان يضعها الزعيم الراحل، وكيف قلده في جلسته الشهيرة في منفاه بجزيرة جالطة، حتى خال التونسيون أن بورقيبة عاد من «غيبته الكبرى» أو «بعث» من جديد لإنقاذهم من براثن أئمة التكفير، الذين بات مرحبا بهم في أرض ابن خلدون والطاهر الحداد وبورقيبة وغيرهم من أصحاب الفكر المستنير الذين أنجبتهم الأرض التونسية. كما ساهم شعور التونسيين بخيبة أمل كبرى من الطبقة السياسية التي برزت بعد زلزال 14 يناير 2011، وأيضا غياب الزعامات الحقيقية القادرة على إنقاذ البلاد مما تردت فيه من أوضاع كارثية، في حضور بورقيبة مجددا في المشهد التونسي من خلال المنابر الإعلامية وحتى في وجدان الناس وتجسد ذلك في صوره التي عادت لتحتل أماكنها في بيوت بعض التونسيين ومقرات عملهم.
وكانت لفترة حكم الترويكا مساهمتها الفاعلة في عودة البورقيبية، حيث باتت أهم مكتسبات دولة الاستقلال مهددة بالاندثار خلال هذه الفترة التي دامت سنوات ثلاث. فحتى الدعاة وأئمة التكفير باتوا يستقبلون في تونس من قبل قيادات حزبية استقبال الأبطال، وتفتح لهم قاعة كبار الزوار في المطار الدولي بقرطاج، ما جعل نسبة مهمة من التونسيين تجنح إلى البورقيبية لمواجهة المد التكفيري. كما وجد التيار الدستوري نفسه مشتتا بعد حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، ومغادرة زين العابدين بن علي أرض الوطن دون تقديم إيضاحات لقرابة المليوني شخص كانوا منخرطين في حزبه. فكان هروب الدستوريين إلى الأب والمؤسس ليقيهم شر التشرذم ويجمعهم مجددا بعد أن شعروا بالخطر يستهدفهم من كل جانب، فتم إقصاؤهم بداية من انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وأودع الكثير منهم في غياهب السجون، ومنهم حتى من تأخر علاجه الأمر الذي تسبب لاحقا في موته .
لقد كتب الكثير عن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، خصوصا في السنوات التي تلت وفاته وسبقت الزلزال السياسي الذي عرفته البلاد في 2011. كما خرجت إصدارات جديدة محورها الزعيم بعد هذه «الثورة» مباشرة، وجد كتابها جرأة كانت غائبة للتوجه بالنقد إلى زين العابدين بن علي على ما تم اعتباره معاملة سيئة للزعيم بورقيبة، وهو ما لم يكن متاحا قبل انهيار نظام هذا الأخير يوم 14 يناير 2011. ومن بين هذه الكتابات سير ذاتية لوزراء سابقين عاصروا الزعيم بورقيبة وعملوا معه في مراحل من سنوات حكمه التي فاقت الثلاثين عاما، تعرضوا من خلالها لتجربتهم مع «المجاهد الأكبر»، سواء خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، أو في فترة بناء دولة الاستقلال، وكانوا هم الأبطال الذين لا يشق لهم غبار في هذه الإصدارات وحشر الزعيم في الزاوية حتى كاد يحجب أمام بطولاتهم وصولاتهم على المسرح السياسي. وصدرت أيضا مؤلفات لمن عاصروا بورقيبة وعملوا «في حضرته» خصصت بالكامل للزعيم، وكان هو بطلها الأوحد، فيما كتابها مجرد رواة يسردون الأحداث عن مهام كلفوا بها من قبل بطل الرواية أو أحداث واكبوها وكانوا بامتياز شاهدين على عصرهم فيما يتعلق بها.
وتميزت مؤلفات معاصري بورقيبة، سواء تعلق الأمر بالسير الذاتية للوزراء والمقربين أو بالمؤلفات المخصصة لسرد سيرة الزعيم الراحل من منظور مؤلفها، بالحنين للأيام الخوالي مع الزعيم ولسنوات غابرة من «زمن جميل» في نظر مؤلفه، وهو ما بدا جليا في سرد الكاتب للأحداث، فغابت الموضوعية في أحيان كثيرة وسقط المؤلف في التبرير لما لا يبرر ويصنف في خانة الأخطاء التي ارتكبها بورقيبة، وهو البشر الخطاء الذي لا تقلل أخطاؤه من أهميته ولا تنزع عنه زعامته ولا تفقده مكانته في قلوب الجماهير، ولا تمحو ما قدمه للوطن من جليل الخدمات طيلة سنوات كفاحه ضد الاستعمار وخلال مراحل بناء تونس المستقلة.
كما برزت مؤلفات أخرى لأشخاص من خارج دوائر الحكم، فيها الغث والسمين، وكان محورها بورقيبة بصورة مباشرة أو تم التعرض فيها للزعيم بإسهاب عند البحث في ملف ما، كان الأخير على علاقة به. وتقيدت بعض هذه المؤلفات بالموضوعية قدر الإمكان، وحاولت إقصاء الجانب الذاتي، فيما أمعن بعضها الآخر في تشويه الزعيم وإخراجه للقارئ في ثوب الشيطان المارد حتى غابت المحاسن تماما. فحتى خصوم بورقيبة الاستعماريين صنفوا في خانة «ملائكة الرحمن» في مؤلفات هؤلاء، فيما باني تونس الحديثة أصبح كتلة من الشر تسيء لمعارضيه وإلى عموم التونسيين وحتى إلى المستعمر الذي كان برأيهم، سيمنحنا أرض بنزرت دون خسائر، لكن بورقيبة رفض ذلك ورغب في سفك دماء التونسيين برأي بعض هؤلاء. ولعل الميول اليوسفية أو القومية لبعضهم، وقرب البعض الآخر من ساسة عرب، بعضهم من الجوار، كانوا على خلاف جذري مع الزعيم الراحل اقترب من العداوة في مرحلة ما، يفسر هذا المنسوب الهائل من الحقد الذي برز في مؤلفاتهم، والذي إن تم قبوله من إعلاميين وكتاب سياسيين، فإنه لا يستساغ بأي حال من الأحوال من مؤرخين يفترض فيهم الحياد والاستناد إلى الدليل العلمي والقطع مع الجانب الذاتي عند قراءة الأحداث التاريخية المهمة وتقييم الفاعلين في حركة التاريخ والمؤثرين في أوطانهم من مثيري الجدل على غرار بورقيبة.
ويشار إلى أن أغلب من كتبوا عن بورقيبة ينتمون إلى أجيال عاصرته، إما في مرحلة الكفاح والنضال ضد الاستعمار خلال النصف الأول من القرن العشرين، أو في مرحلة بناء الدولة بعد الاستقلال وإلغاء الملكية سنة 1957، أو خلال المرحلتين معا. وبعض هؤلاء عملوا معه والبعض الآخر كانوا خارج دوائر الحكم لكنهم عايشوا أهم الأحداث التي عرفتها تونس خلال عقدي الستينيات والسبعينيات. فيما لم يصدر بعد مؤلف عنه ممن لم يواكبوا زمنه أو عاشوا أيامه الأخيرة في سدة الحكم، وهم الذين درسوا ونشأوا و ترعرعوا في مدارس شيدها بورقيبة وأعضاده الذين خيروا إنفاق ثلث ميزانية الدولة على تعليم التونسيين.
وتبدو تقييمات هذا الجيل، الذي أنتمي إليه، ونظرته لبورقيبة، على غاية من الأهمية، لأنها من المفروض أن تتحلى بالموضوعية عند التناول والتقييم. فلا الحنين إلى «زمن بورقيبة الجميل» سيطغى على كتاباته، ولا صراعات وأحقاد الماضي بين بورقيبة ومعارضيه من اليوسفيين واليسار من جهة، وبينه وبين جيرانه الإقليميين الذين والاهم كثير ممن كتبوا عن بورقيبة، يمكن أن توجه مسار أقلام أبناء هذا الجيل صوب وجهة ما. فالفيصل هو الوثائق التاريخية ولا شيء سواها يمكن أن يعتمد كمرجع للحديث عن بورقيبة وزمنه في الحكم وخارجه.
كاتب تونسي
ماجد البرهومي