«بيت حافل بالمجانين»: سلسلة حوارات تكشف التفاصيل الحياتية لكتّاب عالميين

حجم الخط
0

 

ثمة الكثير من القراء من يسعى إلى معرفة أسرار الكتاب والروائيين العالميين، وطرق عيشهم وأسلوب حياتهم وكيف يمضون الأوقات مع الكتابة، ومع الحياة، وكيف يَفون بمستلزماتها الأخرى، مثل الحب والزواج والعمل، وكيف يجمعون بين هذا وذاك، بين الحياة الواسعة ومتطلباتها العديدة وطرق الإبداع والابتكار والخلق، بين حياة الكاتب اليومية التفصيلية، وبين وسائل الكشف والإلهام، والعيش في المتخيَّل والمحلوم والرؤيوي من معاني التحليق في أفق الكتابة بالنسبة للروائي، وهل هناك من مسافة بين الكتابة والواقع، بين السرد والمعيش، بين الكلمات ومفرداتها ومعانيها وتجلياتها، وبين تجليات الواقع اليومي والتفصيلي لدى الكائن الروائي؟ وهل هو كائن مختلف، يعيش عالمه الخاص، بعيداً عن الواقع العيني، يعيش حلمه اليومي ويتغذى منه لكي يصوغه في كلمات سحرية، تفتن وتُغوي من يقرأها ويعثر عليها، فينبهر بها ويحيا من جديد عالماً آخر، فيه فتنة ودهشة وسحر، هو غير العالم المرئي والواقعي المألوف والمعتاد عليه، خلال حياته العادية؟
كل تلك الأسئلة التي يُحب القارئ أن يعرف الإجابات عنها، وتستهويه، ويود الاطلاع عليها بشغف الفضولي، والساعي المُحب للرؤى، وكيف تتخلق يجدها في كتاب « بيت حافل بالمجانين» من ترجمة المصري أحمد شافعي. الكتاب يتكون من مقابلات أجريت مع كتاب روائيين عالميين، بعضهم نال جوائز عالمية كنوبل وغيرها من الجوائز المرموقة والشهيرة، يروون فيه سيرتهم الكتابية لأهم مجلة أدبية فرنسية « باريس رفيو»، وهي إحدى المجلات الرصينة، والمعروفة على نطاق عالمي واسع، وذائعة الصيت، عَمَلتْ على محاورة أهم الأسماء العالمية التي ضمها هذا الكتاب، وهي على التوالي: باموك التركي الذي يفتتح الكتاب بمقدمة يختارها المترجم، لتكون المفتاح الذي يفتح به القارئ هذا العالم المغوي ليجد بالتدريج أسماء أرنست همنغواي، هنري ميلر، بورخيس، كارلوس فوينتس، كونديرا، نجيب محفوظ، بول اوستر، سوزان سونتاج وأمبرتو إيكو.
الروائي والكاتب الأمريكي أرنست همنغواي المثير للجدل، عبر حياته الواسعة وتجاربه المثيرة، وتقلبات مزاجه، وولعه بالسفر والمغامرة، وعيش الحياة بكل أتراحها وأفراحها، بكل تشظياتها وتجلياتها، يروي ذلك المغامر والمتمرد الفذ، والمراسل الصحافي اللامع همنغواي، سيرته بكل تفاصيلها الكوميدية والمأسوية، مازجاً في حديثه الحار الملهاة بالمأساة، ليجعل منه حديثاً فاتناً، وجذاباً، فيه سرد أخاذ لبعض التفاصيل اليومية التي عاشها، ويعيشها في تلك اللحظات، من حياته المغامرة، ذات الجوانب والمنافذ والزوايا المتعدّدة، وهي بالتأكيد لا تشبه إلا حياة أرنست همنغواي، الروائي والمقامر على الخيل، والثيران، وفرسانها المعروفين الذين أصبحوا جزءاً من سيرته الذاتية، وشكلوا لوحدهم يوتوبياه وبيوغرافياه، وأمدّوا عالمه بلحظات ساحرة، ومؤثرة وغنية، آزرتْ عالمه الروائي وأضفت عليه مساحات من الضوء، وشدَّتْ ومتَّنتْ من دعائمه الأسلوبية والكتابية، وفتحتْ طرقاً غير مكتشفة لأنسقته السردية.
يحكي همنغواي عن كتابته التي تعوَّد أن يكتبها وهو واقف أمام الآلة الكاتبة: حينما أعمل على كتاب أو على قصة فإنني اكتب كل صباح بمجرد أن يظهر أول ضوء، قدر الإمكان، في ذلك الوقت لا يكون هناك من يزعجك، ويكون الجو إما منعشاً أو بارداً، ويدفئك العمل، تقرأ ما كتبته، وتتوقف عادة وأنت تعرف ما الذي سوف يحدث لاحقاً، لتبدأ منه، تكتب حتى تنتهي الى موضع تكون فيه لم تزل محتفظاً ببعض عصارتك، وعارفاً ما الذي يحدث بعد ذلك، وتحاول أن تعيش الى أن يأتي اليوم التالي لتضرب من جديد». «
هنري ميلر الروائي الأمريكي الآخر، والذي لا يقل جنوناً ومغامرة وتطلعاً وحباً للحياة عن رفيقه همنغواي، والذي عاش حياة مضطربة وقلقة ومرتبكة، هو أفضل راوٍ وسارد وحكَّاء بارع لسيرته الذاتية. هنري ميلر الروائي الوحيد الذي بدأت به رواية السيرة الذاتية والبيوغرافية، فهو خير مُجسِّد لهذا العالم، عالم التفاصيل والمشاهد والمغامرات وفضح السياق العام لدى الكاتب، وقول ما لم يُقلْ في السابق، فهو أحد البادئين بكشف المستور وغير المنطوق به من قبل، في الحياة الجنسية للكاتب، وكشف الرومانسيات بكل فجاجتها وعريها وتمظهراتها، حيث سلط النور على الإيروتيكيات، مهما كان نمطها، وسياقها وطبيعتها، القاع كان عالمه، والحياة السفلية كانت سبيلاً معلوماً، وواضحاً لسيرته الملطخة بالموبقات، كان بوهيمياً مثالياً، أحب رامبو وتمثل سيرته وجسّدها في كتاب « زمن القتلة «، وقف الى جانب المهمَّشين والمنكودين والمقموعين، وحارب بشراسة التسلط والتمييز والاعتقال الفكري لكل فكرة رحبة، منبعها الحرية.
أما بورخيس الغريب هو الآخر، والذي يُحب أن يكون هو مكتبة في حد ذاتها، الأعمى والبصير بطريقته، ووضوح أفكاره، وانغماره المريع في القواميس والموسوعات والكتب القديمة والتاريخية، تلك التي تحمل تاريخ العالم والميثولوجيات، مدير المكتبة الذي لا يرى، ولكنه يعرف ما هي قيمة الكتاب، وأين يرقد، في الرفوف الطويلة والكبيرة والمتداخلة، ويعلم علم اليقين اللغة الموسيقية للمفردات والكلمات والنغمة التي تتمتع بها كل مفردة، وتميّزها عن الأخرى. بورخيس العالمي التطلع، والموسوم بثقافات عدة، سويسرية وفرنسية وأمريكية وأرجنتينية، يعرف الطبائع لكل شعب، وكل حضارة موغلة في القدم، وغابرة، ومنها يستمد رؤيته لفنه، فنه الغامض والموحي، قصصه التي رسَّختْ نمطاً عالمياً لكتابة القصة الفنية التي تحتوي على كم كبير من السحر والفتنة والغرابة.
ومثل بقية الروائيين والقصاصين العالميين، فإن بورخيس بدأ أيضاً شاعراً ولديه أشعار جميلة، وعن سؤال حول إليوت فهو كان يراه، أثناء فترة شبابه، على أنه منظر شعري أكثر من كونه شاعراً، أما بعد تقدم سنه وفي كِبَره فوجهة نظره قد تغيرت، إذ صار يراه وهو في عمر متأخر على أنه شاعر أكثر من كونه منظراً.
بينما المكسيكي كارلوس فوينتس، الروائي والدبلوماسي والمتحدِّر من عائلة دبلوماسية والذي استقال من عمله الدبلوماسي، ليتفرغ للكتابة الروائية، فهو كاتب صباحي، يكتب من الثامنة والنصف صباحاً، وحتى الثانية والنصف ظهراً، بعدها يذهب للسباحة، ثم يعود لتناول الغداء، يستريح قليلاً، ليعود الى القراءة عصراً، بعدها يذهب للتمشي استعداداً للكتابة في اليوم التالي، خلال سيره ايضاً يكتب في ذهنه ما سوف يكتبه في الغد.
يذهب ميلان كونديرا مذاهب شتى في حديثه عن الرواية، فهو مثقف بارع، والموسيقى قد خدمته كثيراً في أعماله، فهو دائم الحديث عنها، وهو يُذكِّر بالألماني هرمن هسه الذي كتب عملاً روائياً متداخلاً ومركباً سمّاه « لعبة الكريات الزجاجية «، وهو من استخدم، أي كونديرا، البعد البوليفوني في رواياته، وهو هنا يفخر بذلك، وبهذه التعددية النغمية التي تتواتر في عمله الروائي، بينما الروائي العربي الأشهر، نجيب محفوظ، فيرى أن الذي ألهمه كتابة القصص والروايات، هو اللص المصري الشهير، والسجين حافظ نجيب الذي كتب وألف اثنتين وعشرين رواية بوليسية، وكان لديه من العمر عشر سنين حين قرأه، ولما تقدم أكثر في السن، تأثر بطه حسين وكتابه الشهير» الشعر الجاهلي» والضجة التي اندلعت تجاه الكتاب، وكذلك سلامة موسى ومجلته « المجلة الجديدة». وقد تعلم محفوظ من سلامة موسى الإيمان بالعلم والأشتراكية وفكرة التسامح.
كان الروائي المصري نجيب محفوظ موظفاً دؤوباً ومحافظاً على وظيفته التي يأكل منها خبزه، فهو كان يداوم في النهار، في وظيفته، وفي الليل يكتب رواياته وقصصه. أول رواية له كانت « عبث الأقدار» وقد نشرتها له مجلة سلامة موسى، وفي هذه الرواية تحديداً، كان محفوظ قد بدأ تشككه في الاشتراكية، بعد توغله في قراءة الفكر الوجودي وتأمل الحياة والكون، متفكراً بالقيمة البشرية لحياة الكائن، وسط قلق الموت، والنهايات، والمصائب، والتفاصيل المؤسية التي يصادفها في حياته، وخلال مشواره القصير، ورحلته الصعبة بين الولادة والنهاية، إنّه في المحصلة « عبث الاقدار» للكائنات التي تسعى وتحيا وتعيش ومن ثم تغادر الى عالم آخر.
بيد أن الروائي الأمريكي، من أصل بولندي، بول أوستر، حاول أن يضفي على تجربته الكثير من الغرابة، ولا سيما بداياته التي كانت غير ملفتة، وهو هنا يشير الى روايته الأولى « مدينة الزجاج « التي قد تمّ رفضها من سبع عشرة داراً للنشر، وهي جزء من ثلاثية سميت فيما بعد إبان صدورها بـ « ثلاثية نيويورك» ولاقى مثل غيره من الكتاب حياة الكفاف وشظف العيش، حتى أتته الشهرة لتقلب حياته رأساً على عقب.
يتمتع بول أوستر الشاعر والروائي بخيال جموح، واسع وفانطازي، كل ذلك تتلمسه عبر أعماله التي تتمتع بقدر كبير من السحر والدهشة وحس المفاجأة التي يتقن اللعب عليها، لكي يأخذ القارئ الى عوالمه الغرائبية، وأساطيره اليومية، ومن قرأ « مستر فيرتيغو» و« ليلة التنبؤ « و« قصر القمر»وغيرها من الروايات سوف يتوصل الى تلك المتعة الأسلوبية والتكنيك الباهر دون كبير عناء، وهو يعتبر العمل الروائي عملاً له وقت خاص مثل أي عمل، وعليه أن يتفانى فيه.
وحين يكون الختام فيه شيء من المسك، فإننا سنواجه الإيطالي، السيميولوجي والعالم المختص بالقرون الوسطى، امبرتو إيكو، فهو قارئ مذهل، ومطلع لا مثيل له، على التاريخ القديم والحديث، وكاتب مقالات تاريخية ومميزة، وباحث في علم السيموطيقا، هذا العالم المبني على الدلالة والإشارة وفك الشيفرة الرمزية.
كتب إيكو خمس روايات، ذاعت شهرتها عالمياً على نحو لافت، وحين نشر في سن متأخرة روايته الكبيرة» اسم الوردة» ذاعت شهرته، ليصبح أهم اسم في إيطاليا ونجماً لامعاً في سماء إيطاليا الأدبية والفكرية والروائية.
«بيت حافل بالمجانين» ـ حوارات «باريس رفيو»
ترجمة وتقديم أحمد شافعي
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015
371 صفحة

«بيت حافل بالمجانين»: سلسلة حوارات تكشف التفاصيل الحياتية لكتّاب عالميين

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية