بيروت التي كانت فأصبحت: البحث في دروب الذاكرة

حجم الخط
0

ثلاث سنوات مرَّتْ وأنا بعيد عن بيروت، وسبع سنوات عن دمشق، فهما في ظني الشخصي البحت، أختان متلازمتان تاريخياً، واجتماعياً وثقافياً، فأنت لا تستطيع الفصل بينهما، فالطعام يكاد أن يكون ذاته، والتقاليد تقريباً تتداخل وتتواشج، المناخ هو ذاته يتجول بين البلدين، والطبيعة تخترق كلتا المدينتين، واللهجة مع فارق طفيف هي واحدة، أعني أنهما تختلفان عن اللهجات المصرية والعراقية والخليجية والمغاربية طبعاً. ثمة الهواء هو ما يمنح كلا البلدين هوية واحدة، وعليها دمغة من النسيم العام .
ثلاث سنوات ابتعدت فيها عن بيروت، وأنا المدمن زيارتها صيف كل عام، منذ انتهاء فصول الحرب اللبنانية وبدء إعمارها وإعادة الحياة لها مرة أخرى .

كانت

كنت حين أحط الرِّحال في بيروت، تكون « الطريق الجديدة» و« شارع حمد « المكانين اللذين يتقاسمان حياتي فيها، هذا ناهيك عن الجبل حين يشتد الصيف وترتفع سخونته، نُهرع للجبل مساءً، حيث ثمة منزل ريفي، تحتويه بلدة « بعلشميه» القريبة والمتاخمة لـ « بحمدون « الجبل، حيث يرق المساء هناك وينحدر الهواء ليدخل في دورته الحريرية، وهناك لكم زارتني الفراشات وهي تحمل بين أعطافها حقائبها العطرية، ولكم هبّ عليَّ هبوب عاصف آت من رائحة القصعين والزوفا واللافندر، وكم كنت أنيس الشجرات، أجلس بين شجرتي الإجاص والمشمش وبعض شجرات الكرز قصيرة القامة، أتملى من ذلك العلو الجانب الثاني من الجبل المقابل، حيث كنت أستقبل الأضواء البعيدة وهي تحيِّيني من بعيد، لتنير زاوية من جلستي الرومانسية المصحوبة بمُدام لميس ولماظة مأنوسة .

فأصبحت

غير أني الآن وأنا أضع حقيبتي في المكان الذي سأقضي فيه أسبوعاً، وأمضي لتمضية بعض الشؤون الصغيرة وتفحص الأمكنة الغالية على الروح، بسبب فائض الحنين المتراكم لديَّ، سأرى بيروت تتراجع، يتراجع منسوب جمالها المعهود، وينقص فيها التعاضد، وينكص البهاء الذي عهدناه في أزمنة سالفة، والأسباب كما رأيت باللمس والبصر وبالقلب أيضاً، هي الطابع الاقتصادي الذي شلّ بعض مرافقها، والديون التي ترسف وتلاحقها من البنوك الدولية، وشيوع البطالة، والغلو في الحس المذهبي بين الأطراف المتنازعة على الوجاهة والسلطة والمال. لا رحمة هناك لمن لا يمتلك القليل أوالنَّزْر اليسير من المال، كل شيء خاضع لهذه الإرادة النقدية، الجميع في الشارع يتحدث عن المال، هذا ناهيك عن عدد المتسولين في البلد الذين يحاصرونك كل لحظة وثانية وفي كلّ مكان، طالبين الإعانة، بينما بعضهم أغنى من الناس العاديين ومتوسطي الحال، وآخرهم سيدة شحاذة لفظت أنفاسها في منطقة البربير أخيرا، حيث كانت تعيش في سيارة متهالكة، ليتكشف أمرها في ما بعد بالعثور لديها على نقود لبنانية خبأتها في أكياس قمامة، فضلا عن حساب مالي في أحد البنوك القريبة، وفيه رصيد تجاوز المليون دولار أمريكي.
لا رقيبَ في لبنان على أسعار السلع المبيعة، كلٌّ يُسعِّر حسب مزاجه وطبيعته، وحسب قوانينه الشخصية. فمن المفارقات الغريبة التي واجهتها شرائي أنبوب معجون أسنان استخدمه عادة، فدفعت خمسة أضعاف سعره في لندن، وكذلك سعر فنجان القهوة، في مقهى «الكوستا» ذاته الذي أجلس فيه في لندن، فهي شركة متعولمة، دفعت ثلاثة أضعاف سعره، وقس على ذلك في الشؤون والقضايا اليومية الأخرى .
كنت حين أحط الرِّحال في بيروت، جذلاً، فرحاً، تنتابني الغبطة الدائرية، والشغف العالي المحموم، وأنا اتنقل بين الأصدقاء والخلان القدامى ودور الصحف، حيث كان ثمة مبنى صحيفة «السفير» التي لازمت النشر فيها منذ عام 1978 حتى أغلقت، وكانت في نزلة سينما « السارولا «، وبعدها كنت أميل إلى مكاتب صحيفة « النهار» القريبة منها في مطلع شارع « الحمرا « ببضع خطوات، حيث الأصدقاء كل في مكانه وموقعه الثقافي، وبالضرورة وأنا داخل المبنى سأعرِّج الى « دار النهار « وأطل دون شك على مكتبتها وإصداراتها الأنيقة، الى ذلك … كانت هناك بالقرب من هاتين الصحيفتين مجلة «الناقد» لرياض الريس وداره الشهيرة ذات الإصدارات المميزة، ثم مقر صحيفة» الحياة « الأول بالقرب من» شارع السادات» إبان صدورها الأول، ثم انتقلت فيما بعد الى وسط البلد في « الداون تاون» وها هي الآن بعد كل تلك المسيرة التي صاحبتها فيها، منذ كنت مقيماً في قبرص، تلملم أغراضها للانتقال الى مبنى أصغر، بعد أن تقلص عدد موظفيها وعامليها، فبدا المقر شبه فارغ، حيث الإدارة انتقلت الى دبي، ولا أحد يعرف الى أين ستؤول الأمور. الشاعر والناقد عبده وازن، هو الآخر لا يعرف مستقر الجريدة الجديد، لكنه رغم الذي يحدث من حوله، تراه ما زال يواصل عمله اليومي، ومكتبه يغص بالكتب والمقالات والإصدارات الجديدة .

الشوارع البائسة

كانت هناك دعة وألفة ورقة في الأمكنة القديمة، فغياب المقاهي التاريخية عن شارع الحمرا، شكل له انتكاسة جمالية، بعد إغلاق مقهى « المودكا « وإنشاء محل كبير لبيع الملابس هو الآخر مغلق الآن، بسبب كثرة هذه المحلات في الشارع، وكذلك إغلاق مقهى « الويمبي « الذي حلَّ مكانه محل كبير لبيع ماركات من الأحذية والملابس، ذلك السيل الذي لا ينتهي، مقهى « الكافيه دو باريه « نهض محله مكانان، الأول مطعم للوجبات السريعة، والآخر مقهى للنرجيلة المنتشرة في كل مكان، مقهى « ناليس « الذي تغير اسمه التاريخي منذ أيامنا اثناء الحرب الأهلية حيث كنا نجلس فيه، كان اسمه « البلازا « نسبة للفندق التابع له، بعدها تغير الى « ناليس» ومن ثم تحوَّل الآن الى مقهى ومحل لتناول الطعام مع منحه اسماً اجنبياً آخرَ. اللبنانيون مغرمون بالأسماء الأجنبية، واللغات كذلك، ولا سيما الإنكليزية، والفرنسية التي تراجعت لتكون الثانية، بعد سطوع الإنكليزية كونها لغة العولمة والتقنيات الجديدة والاتصالات الحديثة، فمعظم الشباب يرطنون بلغة أجنبية، وكأنهم يعيشون في إنكلترا وليس في بلد عربي هو أول ما حمى وطوَّر مسار اللغة العربية، إنهم يكادون ينسون العربية، لا بل هم في الغالب يتباهون بالإنكليزية في الشارع والمقهى والحانات وأماكن السهر والمطاعم، وما أكثرها في بيروت اليوم .
لنعد إلى شارع الحمراء، ونتجول فيه من بدايته الى نهايته، كانت ثمة مكتبات رصيف اختفت وكذلك أكشاك بيع الصحف والمجلات، كانت في الشارع قرابة الأربع، اختفت جميعها، ليغدو الشارع اكثر حزناً، وأكثر بؤساً، وأكثر طلة سياحية، خالية من المعنى، لكن مكتبة «أنطوان «تطوّرت أكثر بتوسيع مساحات وخانات الكتب الأجنبية، وتقليل مساحة الكتب العربية، وطرد الشعر نهائياً من رفوفها، مكتبة « الفرات « ألغت مكتبتها في « الحمرا « وكذلك في «بحمدون»، وانتقلت الى مخازنها في نهاية شارع «المقدسي»، الذي أغلقت فيه أيضا مكتبات، وحلّت بديلا منها علب ليلية وحانات ومقاصف، لابتزاز الزبائن والوافدين إليها.
أما الجلسة المسائية في فندق « البريستول» فقد تفككت بعد رحيل رائدها الكبير عصام العبد الله عن دنيانا، وحافظت مقهى « الروضة « الكائنة في منطقة «الروشة» على جلساتها الصباحية، وإن لم تكن بالزخم ذاته، بعد تفكك الشلة وغياب بعضهم. هناك التقيت صديقيَّ الأثيرين الشاعرين جودت فخر الدين، وعباس بيضون الذي أنهكه وخلخل بنيانه حادث سيارة جديد، نجا منه أيضاً بأعجوبة كما الحادث السابق .
لكن هذا لا يثنيني، أو يقلص من شغفي الذي أحاول أن أحفِّزه وأنشِّطه وأحسِّن من مجراه بارتياد أماكن قديمة لي فيها أضغاث ذكرى، ومساءات ونهارات بعيدة، أحاول أن اربطها من جديد مع بعضها، مع الفارق الزمني بينهما .
تحت أفق هذه الذكرى، استجيب لنداء داخلي، فأمر على مقهى «الجندول» عصراً مستعيداً أيام صباي في هذا المكان وايام ذكريات عذبة لا تنسى، المكان ما زال كما هو، رائقاً وأنيساً، وأكثر هدأة من السابق، مع قلة زائريه، ولكنني اجد فيه لذاذة وأجد فيه تجديداً لبعض ما غرب من ايام وتصرّم .
بالقرب منه، سيكون هناك المقهى التقليدي الجميل « سيمونيدس « وهو مقهى يوناني توفي صاحبه، ليتحوَّل بتواتر العمل وتقاليده الى لبناني حافظ على طرازه ومستواه. أجلس فيه ظهراً، مع فنجان قهـــــوة، لأتمـــلاه وأتملى أفق سنواته العتيقة، فألمح لوحة وقد كُتب عليها التالي « النساء نعـــــمة، والسياسة نقمة، فالرجاء عدم التكلم في السياسة» في بلد شعبه يأكل ويشرب الســــياسة ومشتقاتها ليل نهار.

٭ شاعر عراقي مقيم في لندن

بيروت التي كانت فأصبحت: البحث في دروب الذاكرة

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية