لندن ـ «القدس العربي»: أشعلت دعوة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي المفاجئة لإجراء انتخابات عامة مبكرة في الثامن من حزيران/ يونيو المقبل، الجدل والتكهنات حول الأبعاد الحقيقية لهذه الخطوة، التي رفضتها ماي خمس مرات سابقا، كان أخرها قبل أقل من شهر مضى.
رئيسة الوزراء سوغت دعوتها للخروج من أزمة الـ»بريكست»، لضمان عدم حدوث تراجع. حيث قالت صراحة إن تنفيذ عملية الخروج من الاتحاد تحتاج إلى «قيادة قوية ومستقرة»، في ظل الصراع والانقسام داخل البرلمان البريطاني، وبالتالي دعت الشعب إلى صناديق الاقتراع من أجل توحيد البريطانيين، بعد أن تعذر توحيد البرلمان بمجلسيه العموم واللوردات.
وفي النظر الى مواقف الأحزاب المشاركة في الانتخابات في وضعها الراهن فان حزب العمال المعارض المنوط به هزيمة المحافظين هو في أزمة بنيوية حول قيادته الممثلة بجيرمي كوربن وهلامية برنامجه السياسي. كما أنه ليس لدى حزب يسار الوسط «الديمقراطيين الأحرار» سوى تسعة نواب. وحزب «الاستقلال» اليميني يصارع لإيجاد هوية له بعد «البريكست». وهناك نسبة كبيرة من الناخبين يشعرون بالحرمان من الحرية، وقد لا يصوتون لحزب المحافظين، الذي تتزعمه ماي، وعلى أقل تقدير قد يمتنعون عن التصويت.
والذي قد يُحدث مفاجأة حقيقية هو حزب القوميين الأسكتلنديين، الذي طالبت زعيمته نيكولا سيرجين رسميا من الحكومة البريطانية إجراء استفتاء ثان للاستقلال عن المملكة المتحدة، وتقاتل زعيمته للبقاء في الإتحاد الأوروبي، حتى وإن خرجت المملكة المتحدة من الإتحاد الإوروبي. كما تسعى الى النهج نفسه حكومة إيرلندا الشمالية. وهذان الموضوعان يرى محللون أنهما سببان كافيان لإعلان ماي المفاجئ إجراء انتخابات، للتمكن من التعامل معهما كأخطر قضيتين على الأمن القومي للمملكة، كما تستفيد رئيسة الوزراء من هذه الخطوة باعتبارها ستعطيها شرعية الانتخاب، فمن المعلوم أنها حصلت على منصبها عند شغوره واستقالة رئيس الوزراء السابق المنتخب ديفيد كاميرون.
ويكشف أحدث استطلاعين للرأي أجريا خلال الأسبوع الماضي أن حزب المحافظين الحاكم، الذي تقوده ماي يتقدم على منافسه الرئيس العمال بفارق 20 نقطة، وهو «فارق تاريخي» بين الحزبين، إذ لم يسبق أن كانت الهوة بينهما بهذا المستوى.
كما يتفوق حزب المحافظين أمام «الديمقراطيين الأحرار» بفارق 32 نقطة، ويتفوق على حزب «الاستقلال»، الذي يتزعم الحملة الداعية للخروج من الاتحاد الأوروبي بأكثر من 34 نقطة. وهناك توقعات متفائلة بأن تحقق ماي أغلبية مريحة في البرلمان قد تزيد عن مئة مقعد.
وإذا صحَّت نتائج استطلاعات الرأي، فهذا يعني أن الانتخابات المبكرة ستنتهي لصالح حزب المحافظين، وبأغلبية ربما تزيد عن الأغلبية المريحة، التي يتمتع بها الحزب في البرلمان حالياً، وهي 17 صوتا، لكن ماي تريد من البريطانيين في هذه الانتخابات تجديد التفويض لها بتنفيذ الخروج من الاتحاد الأوروبي، نظراً للانعكاسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي ستترتب على الخروج. وستكون في حل من إجراء انتخابات مقبلة بعد عامين من مفاوضات الخروج تتمكن بعدها من إرساء الخروج.
وبالإضافة إلى ذلك، ستكون لهذه الانتخابات عواقب محلية، حيث سيتعين على جميع الأطراف وضع برنامج للسياسة العامة للاقتصاد والخدمات الصحية والمدارس وبقية المسؤوليات، وقبل كل شيء انتخابات حول صلاحية الحكم.
وأفاد الاتحاد الاوروبي فورا أن الانتخابات البريطانية المبكرة «لن تغير خطط» الدول الـ27 الأخرى الأعضاء في التكتل الأوروبي.
المؤكد هو أن ماي طلبت تفويض نائب الملك، وليس تفويض طبيب، وأن النواب أذعنوا وأعطوها التفويض بسهولة أكثر من اللازم.
يبقى أن الناخبين في الانتخابات العامة الحديثة يتوقعون شيئا مهما، وهو أن تكون هناك مناظرة تلفزيونية واحدة على الأقل بين المرشحين الرئيسيين. وهذا ما ترفضه رئيسة الوزراء، معللة موقفها بأن برنامجها واضح ولا يحتاج الى مناظرة، بينما تأخذ عليها الأحزاب المعارضة هروبها من المناظرة، وقد يعقد منافسوها مناظرات تحرجها وتغير التوقعات.
وإذا كانت رئيسة الوزراء القوية تستخدم وحدة البلاد والقوة في التفاوض مع الأوروبيين، والتي قد تؤهلها حتى الى خروج قاس، دون اتفاق كامل مع الاتحاد الأوروبي، فان حزب العمال قد يفاجئ الجميع بتركيزه على الوضعين الاقتصادي والإجتماعي، اللذين يؤثران عادة في النتائج، وقد يذهب حزب العمال أبعد إذا نحا جانبا خلافاته الحزبية وتوحد خلف زعيمه كوربين، حينها قد تحدث المفاجأة، تماما كما حدثت في انتخابات «البريكست، والانتخابات العامة السابقة، فلمن سينحاز البريطانيون هذه المرة للعقل أم للقلب؟
أنور القاسم