احتفل بايرن ميونيخ، مرة أخرى، بلقب بطولة الدوري الالماني، قبل أسابيع من النهاية، كالعادة، وللمرة السادسة على التوالي.
في الواقع انتصار البايرن بلقب الدوري هو للمرة الـ28 في تاريخه، وهو احتكار مطلق، خصوصا اذا علمنا ان وصيفه في عدد مرات الفوز باللقب، نورنبيرغ، لم يحرز اللقب سوى 9 مرات، ليجعل النادي البافاري البوندسليغا مسابقة تتنافس فيها الاندية الاخرى على المراكز من الثاني وحتى العشرين، في صورة قتل فيها المتعة والاثارة، بل اصبح السبب في نعته بـ”النادي الأكثر كرها في المانيا”.
من المدهش معرفة ان البايرن لم يكن بين الكبار تقليديا، بل لم يحرز بطولة الدوري التي بدأت في العام 1902، سوى مرة واحدة (1932) في السنوات الـ67 الاولى من عمر المسابقة، حيث توزعت الالقاب بين ما لا يقل عن 20 ناديا خلالها، قبل ان يحرز البايرن اللقب 21 مرة في آخر 34 سنة، في صورة صارخة لاحتكار مطلق.
لا يعيب البايرن حسن ادارته، فهو ناد قائم على الاحترافية العالية، ودائما يعين مسؤوليه وادارييه من نجومه السابقين، حيث يتعاملون باحترام عال وحرفية، حيث يكون كل هدفهم المنشود خدمة البايرن، ولهذا نجد ولاء مطلقا من اللاعبين والاداريين، رغم ان أسلوب التعامل مع الاعلام يختلف، بسبب جديته وقسوته في بعض الاحيان، ما أكسب النادي لقب “اف سي هوليوود”. لكن أبرز ما ساهم في هذا الاحتكار المطلق، الاندية الالمانية المنافسة له، وجماهيرها أيضاً، رغم ما تكنه من عدائية للعملاق البافاري، لكنه لم ينعكس بصورة ايجابية على انديتها. كيف؟
في كل موسم يبرز فريق يتألق في البوندسليغا، يعد حصانا أسود، على غرار لايبزيغ وهوفنهايم الموسم الماضي، وأيضا يبرز منافسون حقيقيون يهددون زعامة البايرن، على غرار دورتموند، الذي أحرز الدوري عامي 2011 و2012، لكن كل ما كان يفعله البايرن في نهاية كل موسم هو تجريد هذا الخطر من نجومه بكل بساطة. فبعد لقبي دورتموند خطف البايرن نجمه ماريو غوتزه في 2014، وفي العام التالي خطف منه هدافه الاول روبرت ليفاندوسكي (مجاناً) وفي 2017 ضم أيضاً قلب دفاعه الصلب ماتس هوملز. هنا قد يبدو الامر عاديا، ان يأتي عملاق الدوري الذي يحظى بقوة مادية هائلة ويضم نجوم أبرز منافسيه، لكن المشكلة الحقيقية هي في رد فعل المنافس، أي دورتموند نفسه، الذي لم يقاوم على الاطلاق، بل أذله البايرن باعلان عن الصفقات قبل نهاية الموسم، والانكى ان جماهيره (دورتموند) تبدأ باحتفالية وداعية لهذا النجم المنتقل الى ألد أعدائه، وهنا تكمن المشكلة التي تعانيها الكرة الالمانية، بثقافة التنافسية، لان هذا الامر لو حدث بين ريال مدريد وبرشلونة، او بين مانشستر يونايتد وليفربول، لثارت الجماهير وعوقبت الادارة، مثلما حدث مع انتقال لويس فيغو من البارسا الى الريال. بعدها لفكرت الادارة مرارا وتكرارا، وايقن اللاعب ان الولاء جزء كبير من تراث هذا النادي، ولما عاث البايرن بهم مثلما أراد.
في الواقع، كرر البايرن الامر ذاته مرات كثيرة على مدى الاعوام الماضية، ففي الصيف الماضي أفسد احتفالية المفاجأة هوفنهايم بعد تأهله الى الدور التمهيدي لدوري الأبطال، فخطف منه نجومه الثلاثة نيكلاس سوله وسيباستيان رودي ولاحقا هدافه ساندرو فاغنر، ليهدم كل ما بناه الموهبة التدريبية الصاعدة ناغلزمان، الذي لم يسلم حتى من اشاعات انتقاله لتدريب البايرن لتتأثر نتائج هوفنهايم. وقبلها في 2016 فعلها مع شتوتغارت حيث ضم نجمه الواعد كيميش والحارس اولريتش، وبامكاننا العودة في كل عام لنجد ان كل ناد يهدد البايرن يرحل نجمه في الصيف الى بافاريا (ماندزوكيش من فولفسبورغ في 2013 ونوير من شالكه في 2012)، ليخلو الامر من أي ردود فعل غاضبة او ثائرة من الجماهير. ووصلت وقاحة البايرن الى درجة الاعلان عن ضم نجوم منافسيه في أحلك الاوقات وفي خضم الموسم، مثلما فعل هذا الموسم بالاعلان عن ضم غوريتزكا، أحد النجوم الصاعدين في المنتخب، من شالكه، قبل أسابيع من نهاية الموسم، وأعلن عن ضم نيكو كوفاتش مدرب منافسه في المباراة النهائية للكأس، اينتراخت فرانكفورت، في واقعة لا تحدث الا في المانيا، حيث الزعامة والدكتاتورية وصلت الى حد فظ.
twitter: @khaldounElcheik
خلدون الشيخ