ما أكثر المبدعين والخلاقين والفنانين البارعين، أولئك الذين وقعوا ضحية حاكم مستبد، ظالم ومجنون ومريض وسادي، جانح إلى المناخوليا وفن التعذيب المبتكر والمتقدم والمتطور على الأصعدة البسيكولوجية والبيولوجية والفيزيائية، كما كان واضحاً وملموساً ومعكوساً في تصرُّفات ستالين خصوصاً، الأب والقائد المعلم! كما كان يطلق عليه، من قبل حاشيته وأتباعه ومريديه، من أمثال جدانوف مسؤول الدعاية والإعلام السوفييتي في عهد ستالين، وخرينكوف رئيس اتحاد الكتاب، والعديد من المؤلفين والكتاب والفنانين، شعراء وموسيقيين ورسامين ونحاتين وروائيين وقصاصين. إنه الملهم والموحي لهم بالفن، بالقوة وبالقسوة العجائبية التي كان يحملها في قلبه، أنه محب الأدب والأطفال والأوبرا! الفلاح والقائد والمناضل والزعيم الشيوعي الذي لا يُضاهى، وتنحني له الجموع، لا بل كل جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً، تنحني رعباً وخوفاً وخضوعاً أمامه، وأمام سطوته وجبروته وجلافته، أمام قامة جوزيف ستالين الدموية، النازعة إلى سمات فاشية .
وأنا مستغرق بقراءة مذكرات الموسيقي الفذ شوستاكوفيتش، وبقدر ما هي مذكرات ممتعة وجميلة ومرهفة، فهي أيضاً تحمل أحداثاً صعبة وقاسية ودموية، تجعلني أتوقف كثيراً، لأعبر مأزق المخيلة وهي تُجرح بين حين وآخر، بين سطر وسطر، بين جملة وأخرى. لكَم أحزنني طابور الكتاب والخلاقين السوفييت عامة، ومن شتى الجمهوريات السابقة أو الخاضعة للاتحاد السوفييتي، ولكَم هالني وأنا أتوقف أمام أسماء عبقرية وكوكبة لامعة من فنانين وكتاب وموسيقيين وشعراء وهم يخضعون لقوانين فن الجوع، وفن التعذيب، وفن العزلة، وفن المحو، وفنون الاعتقالات المفاجئة، إضافة إلى قوانين المنع والتحريم والوصم بتعابير مثل العدو، والنازي، والبرجوازي، أو الشكلاني، والسريالي، واللا وطني، وغيرها ممن يجيد صناعتها أتباع البوليس السري والمخابرات التابعة لستالين، ولكَم انتهى في أقبية التعذيب والأشغال الشاقة والإبعاد القسري إلى سيبيريا الكثيرون، ليعملوا في «الكولاغ» تلك التي غيبت العديد من المبدعين وبالآلاف، وبأرقام تتعدى حسابات الخيال، ليموتوا تحت طائلة الجوع والبرد والتعذيب والثلوج المرعبة، في جو قاس لا يرحم كقسوة ستالين ذاتها .
مذكرات ديمتري شوستاكوفيتش، والتي كتِبتْ في ظروف ملتبسة ومظلمة، دوَّنها تلميذه الموسيقي سولومون فولكوف، وهو من آذربيجان، دوَّنها لتكون وثيقة تاريخية وجمالية وفنية، تؤرخ لفترة عصيبة من الحكم الشيوعي على يد ستالين، سطَّرها بخوف ورعب وبخفية عجيبة، لكي لا تقع بيد أحدهم وينال ما ينال كاتبها وساردها من نهاية مُحتَّمة، ولذا أوصى العبقري شوستاكوفيتش بنشرها في الخارج، شريطة أنْ تكون بعد موته، وغيابه عن العالم الذي عاشه بصعوبة وبقدرة متناهية، عبر نجاته مرات عديدة، من مخالب ستالين، وبوليسه المنتشر في كل زاوية ومكان، في كل بيت وغرفة وعائلة .
عاش شوستاكوفيتش في جوّ فني، الأم موسيقية وعازفة بيانو، والأب خيميائي يهوى الفنون، فالموسيقى بالنسبة لشعوب الاتحاد السوفييتي سابقاً، كانت كالخبز، أو تُعطى كمادة مع الحليب لتُرضع، حتى ستالين نفسه، قُبيل وفاته، إبّان شعوره بدنوّ أجله، لحظة أحسّ أن حياته قد شارفت على النهاية، عزل نفسه في قصر، يقتطع الصور من المجلات ليلصقها على الحائط، ويستمع للموسيقى، وحين دَهَمَتْه المنيَّة، كان يستمع إلى الكونشرتو الثالث والعشرين لموزارت.
على أن الصغير «ميتيا» أي شوستاكوفيتش كما كان يُسمَّى اختصاراً لاسمه، وتدلهاً بطفولته، كان لامعاً بالذكاء والفطنة، إذ تكشف باكراً عن موهبته البارعة والعبقرية اللافتة، ففي سنّ التاسعة بدأ دروس البيانو، وخلال عامين عزف جميع بريلودات وفوغات باخ، وهو في هذه السن، أي سنّ الحادية عشرة، حيث ألَّفَ مارشاً جنائزياً لضحايا الثورة البلشفية التي قادها لينين، وكان الطفل ميتيا مع المنتظرين الذين اصطفوا طوابير، مُحِّيين الثاثر لينين مُصمِّم ومُهندس الثورة، هو ورفاقه، والقاضي على حكم القياصرة دون رجعة.
لقد طرق مذهب الفن للفن، أو «الشكلية» سَماع ستالين. لقد حضر القيصر الجديد حفل الأوبرا الموسيقية، وهو العمل المدهش، والحديث لشوستاكوفيتش، وكان قد قُدِّم في موسكو أكثر من تسعين مرة، وقُدَّم عمله الباهر « الليدي مكبث» في لينينغراد خلال خمسة شهور أكثر من أربع وثلاثين مرة، وقُدِّم كذلك في كل من ستوكهولم وبراغ ولندن وزيورخ وكوبنهاغن، لتذاع شهرة الفتى شوستا في العالم كله، حتى وصلتْ إلى قلب أمريكا لتقدم هناك، وهذا بالطبع ما سيغيظ ستالين، فهو لا يطيق أنْ يرى شخصاً مشهوراً غيره في العالم، مشهوراً في صعوده سلماً من الجثث والجماجم، وليس السلم الموسيقي الذي صعده شوستاكوفيتش، وغيره من العباقرة الذين لم يكن الحظ يقف إلى جانبهم يوماً، كونهم ظهروا في فترات حكم ستالين، الطاغية الذي كانت إشارة من حاجبه أو طرف يده، تودي بمئات من المبدعين والفنانين الروس وغيرهم إلى الغياهب والسجون .
لكن الطامّة الكبرى التي وقعت على شوستاكوفيتش، في لحظة الحفل، هي حضور ستالين نفسه عرض حفل الأوبرا الجديدة للفنان، لقد حبس الفنان أنفاسه، وكاد أن يُغمى عليه وينتحر، حينما غادر ستالين القاعة غاضباً من العرض، مما أدى إلى ظهور مقالات تنعت العمل بالشكلانية، والانحياز إلى العدو، فكتبت «البرافدا» صحيفة النظام المركزية، في اليوم التالي افتتاحية العدد، وكانت بإملاء من ستالين، كتبتْ الآتي : «منذ اللحظة الأولى تصعق الأوبرا المستمع ببشاعتها المُنفِّرة، طوفان من الأصوات المشوِّشة، نتف من لحن، أجنَّة عبارات موسيقية، تغرق، تهرب، ثم تغرق ثانية في ارتطام، صرير، زعيق، من الصعب متابعة هذه الموسيقى، وتذكرها مستحيل».
بعد أسبوع من تلك الحادثة، كُتب مقال ثانٍ يُدين موسيقى باليه شوستاكوفيتش الجديدة الذي كان يُحاول فيها تصحيح الخطأ الأول، ولكنه وقع في كارثة أعمق، جرَّتْ عليه مقالة افتتاحية في صحيفة «البرافدا» أيضاً، مما جعله هذا الأمر لا يخلد إلى النوم، مُعِدَّاً حقيبة تحتوي لوازم حياته اليومية، كان بانتظار زوار الفجر، ليأخذوه مثل الباقين من الفنانين إلى موقع معسكرات العمل الشاقة، إلى «الكولاغ» الرهيب الذي كتب فيه المفكر سولجنستين رواية معروفة .
لقد أدخلت السيمفونية الخامسة شوستاكوفيتش التاريخ وبقوة، لقد أحدثت خلخلة في الأبعاد الموسيقية المتعارف عليها، هزَّت الركود النغمي والمتآلف مع الواقع، فقد موَّهته، واستدرجت الأحاسيس والمشاعر والعواطف إلى لغتها المرنانة، وإلى بعدها الثالث، ومنحته الأسلوب الجديد، المبتكر والخالد، ومن هنا صمودها أمام رياح الأزمنة وعوامل التغيير، ذلك أنها مستوحاة من عمق القيمة الإنسانية، ومن عمق وجعها التاريخي، وهي تتلقى الصفعات من القياصرة، والطغاة الجدد، مثل ستالين وحاشيته الدموية، وكذلك لتميُّزها بالتوتر الحداثي، وبالغنى الموسيقي، الراسي على الأفكار الرفيعة والإلهام الوجودي والإيقاع الجديد والمتغير.
تُولي موسيقى شوستاكوفيتش الأحداث الواقعية أهمية كبرى، لتتجسَّد في أعمال كبرى أيضاً. لقد رحبت الأوساط الثقافية بـ «الخامسة» ورحَّب ستالين كذلك، مما أدى به إلى الإهمال! وهنا الإهمال يعني الحرية، فالإهمال في زمن ستالين هو حرية حقاً، وانفلات من عيون الرقيب، والمُخبر، والشرطة السرية الخاصة بستالين، إن هذا الإهمال لا يعني بالضرورة النسيان، فستالين لا ينسى أحداً، كانت له ألف عين وألف يد، ولكن شوستاكوفيتش رُكن جانباً لحاجة الغرب له، ولموسيقاه ولأفكاره الليبرالية ونزعته إلى التمرد والحرية، تلك التي خلعتْ على موسيقاه جوّاً من اللبرلة، الممزوجة بدمقرطة الأفكار والرؤى والمفاهيم اللحنية.
تحت أفق هذه النزعة المتحرِّرة والتقدمية، راح يعمل ويتعاون شوستاكوفيتش مع شاعر تقدمي وطموح وموهوب، هو يفتشنكو الذي لاقى رواجاً في الغرب أيضاً، مثل شوستاكوفيتش، عملا معاً على مسرحة بعض المنجزات الإبداعية والمسرحية، وحين تخلى ستالين عن ملاحقة شوستاكوفيتش، دخلت السينما عليه، ليكتب موسيقاها التي لاقت صدى مقبولاً، لا بل مُحبَّباً لدى ستالين .
يضج الكتاب بمئات من المبدعين الموسيقيين، المجهولين بالنسبة للعالم العربي، ثمة ورش عمل موسيقية كانت تعمل ليل نهار، في البلدان السوفييتية سابقاً، وخلايا نحل موسيقية، تتناثر على طول تلك الخريطة الكبيرة المليئة بالأحداث والوقائع والفواجع الإنسانية، والتي تُعد في مصاف التراجيديات الكبرى، كالحرب العالمية الثانية، تنضاف إليها حرب ستالين، فهو بمفرده كان يشكل حالة حرب، جهنمية وشخصية يحملها فرد لشعوب كاملة هي شعوب الاتحاد السوفييتي .
ينطوي كتاب مذكرات «ديمتري شوستاكوفيتش» على أحد عشر فصلاً، وجلها فصول غنية ودسمة، وقد ألمت على نحو دراماتيكي وعلمي وبحثي بكل جوانب المسألة الموسيقية، في العهد الشيوعي الذي كان من جهة ثانية يولي الإبداع مكانة رفيعة وعالية، ولا سيما بعد نهاية ستالين، وظهور القروي الثاني خروتشوف الذي حاول أن يضفي على مساره نوعاً من الجاذبية والبراءة والموضوعية، ورمي المشكلات التي أُلحقت بالفن والأدب والإبداع كلها، على شخصية ستالين النرجسية والذاتية، تلك التي أوجدت أعداء جدداً غير النازيين والفاشيين وعالم الغرب عامة، هم الفنانون والأدباء والشعراء السوفييت.
ثمة ذكريات كثيرة ترد في الكتاب مع موسيقيين من أمثال سترانفنسكي وتشايكوفسكي ورمسكي وخاتشودريان الذي اشترك معه بأمر من ستالين في كتابة النشيد الوطني الجديد.
كان فصلا ممتعاً وهو يسرد يومياته بخاتشودريان الأرمني الشهير، كانوا يلتقون كل يوم، من أجل كتابة النشيد، ولكنهما خلال النقاش واللقاء وحضور الموسيقى ينسون أنفسهم، فيستدعون الشراب ليكون ثالثهم، فيثملون وينسون موضوعة النشيد الوطني.
هناك فصل آخر ممتع وهو الأخير في الكتاب، يتناول فيه حياة الشاعر مايكوفسكي الذي كان معجباً بشعره وهو فتى وفي سن اليفاع، مايكوفسكي المُدلل من قبل الحزب والمقرَّب من ستالين، فيصفه حين التقاه، بأنه مدّ له إصبعين ليصافحه، فوجده شخصاً غير مهذب، ومغرما بالملابس الأجنبية والاستعراض وحب الظهور.
سولومون فولكوف: «مذكرات ديمتري شوستاكوفيتش»
ترجمة محمد حنانا
دار المتوسط، ميلانو 2017
357 صفحة.
هاشم شفيق