دائماً هناك تَعلَّة، بغية السرد، والمثول أمام الحكاية، دائماً هناك صيغة ما، مفتاح معيَّن، سبب مختلف، يتجلى أو يضيء، أو يلمح لوجود مثل هذه التعلة، لكتابة سرد طويل متمثل بحكاية ما، تُعين الكاتب والروائي على ولوج عالم سردي حافل بالرؤى والحكي والروي الأليف، ربما لشخصية روائية ما، ستكون هي العنصر الرئيس والمركزي في الرواية، أو لشخصيات فاعلة داخل النص، تُفعِّل النص المحكي وتحرّكه، وتمنحه الدينامية والفانتيزمات الإكزوتيكية، كي ينهض النص ويتكامل، ليَفي الحكاية والمَسرَد حقَّهما الجمالي، وبُعدهما الفني، وحبكتهما المنسوجة وفق التقنية المطلوبة لهندسة المرويات، والوقائع والأحداث بطريقة حديثة ومُقنعة، تجعل القارئ يتابع السرود والمحكيات، حتى نهاية العمل الروائي.
وضمن هذا النسق تظهر الحبكة المتسمة بالمفتاح، أو التعلة الفنية، مثل العثور على حقيبة فيها رسائل، تكشف مصير إحدى الشخصيات البارزة في الرواية، أو وجود مدوَّنة فيها تفاصيل معيَّنة عن حياة أحدهم، أو حياة شخص ما، مهم وله دور كبير في صناعة الأحداث في الجسم الروائي، أو العثور على صور وذكريات تحكي سيرة عائلة وشخوص مرَّوا ذات يوم بوقائع مأساوية، ونكبات، وما رافقها من مصائب هذه العائلة، أو الشخوص الغابرين، والعابرين في نهر الحياة ومصبَّاته، هذه الحفنة من الصور وبعض الوريقات، مثل الوثائق والشهادات والإحداثيات المكتوبة ستكون العون للراوي، سارد الحكاية، وباني العمارة القصصية التي تعتمد التدوين والمدوَّنات، كتعلِّة للنصوص الروائية. لقد قرأنا الكثير مثل ذلك لكتَّاب عرب وأجانب، يميلون إلى اتخاذ سند وبرهان ودليل، يدعم ويؤازر صنيعهم الإبداعي، وقد قرأت أخيراً في هذا الحقل لكتاب وظفوا التدوينة كهيكل للنص الروائي، كعمل الإيطالي تابوكي، والأرجنتيني مانغويل، وفي العربية قرأت لإيمان حميدان «خمسون غراماً من الجنة» و «سيرة مسلم في حانة آرتين» لعلي نصار، وهي الرواية التي ستكون مدار حديثنا في هذا الحيز، وهي آخر ما صدر للروائي بعد «بائع الكعك» عمله السابق.
تفتتح الرواية مسارها بوجود حقيبة يعثر عليها الراوي العائد حديثاً من برلين لغرض الدراسة في بيت الأهل، في الحقيبة مدونة سردية لذكريات العائلة التي ينتمي إليها الراوي الذي يتخذ من صيغة المتكلم نسقاً فنياً لكتابة النص، وتتداخل في الرواية شخصيات أخرى، تتحدَّث بالصيغة الفنية ذاتها، ليتشكل النص في المآل، عبر دعامات ومداميك الرواة، في داخل الرواية التي تتخذ من المكان الوسيط الجمالي للعمل، وهو حانة في شارع «الحمرا» المعروف في العاصمة اللبنانية بيروت، وتتخذ من الزمن راعياً للنص، وللشخوص الذين يتحرَّكون داخل الرواية، وهو زمن الحرب اللبنانية في منتصف السبعينيّات من القرن المنصرم، وما تلاها من عقود رسَخَتْ في ذاكرة الإنسان العربي، نتيجة هول وقائع ومجريات وإحداثيات الحرب الأهلية اللبنانية، وما تركته وخلفته من جروح وويلات وذكريات أليمة، على كل من ذاق مرارتها وعاش فصولها الحربية والدموية في ذلك الوقت .
يصل الراوي إلى بيروت، فلا يجد أحداً في انتظاره خارج صالة المطار، فالأب في سوريا، والأم في دبي، وحتى زينب صديقة العائلة التي ترتبط بهم بقوَّة، وتعتبر واحداً من أفراد العائلة، لم تكن هناك.
انه الابن الوحيد العائد إلى بيروت توَّا، من برلين في إجازته الجامعية، حاملاً معه خبر الطلاق الصادم والمفاجئ بين والده وأمه، فيتصل بزينب التي لم تأت حتى لأخذه من المطار، تجيب زينب على الاتصال، وتعتذر من عدم القدوم إلى المطار، لكنها سترتِّب لجلسة مسائية، في حانة آرتين من أجل الاحتفاء به، كونه مثل ابنها، وهي مثل مربِّيته، نتيجة السنوات الطويلة التي تربطها بالعائلة.
يصف الراوي، أو الابن سيرة والده في مطلع صفحات الرواية، والده الشيوعي سابقاً، والمُتملص من اليسارية لاحقاً، في عهد الحريري الأب، والداعم لمسيرته الجديدة، في التغيير وبناء بيروت، والرافض للهيمنة السياسية والعسكرية، من قبل نظام البعث السوري في عهد الأسد الأب، فهو الناشر الثري، والمُتملق والمُتزلف والمُرتزق، فيما بعد من نظام القذافي، هذا الذي كان يُموِّل مشاريع النشر التي يضطلع بها، والمُوالي والمنخرط في سياسة الولي الفقيه فيما بعد، غبَّ غياب النظام السوري، وسيطرة الميليشيا الشيعية على مقاليد القرار في لبنان، ومباركتها لإيران ومشروعها التوسعي والطائفي في المنطقة .
على أن الأب الذي تبدو عليه سِمات الثراء والرفاه وبحبوحة المال الذي جمعه، جرَّاء الحرب، عبر صداقته مع نجوم السطو واحتلال الشقق والبيوت التابعة للمسيحيين في المنطقة الغربية من بيروت، أثناء أيام الحرب الأهلية التي دامت خمس عشرة سنة، كان يريد لابنه أن يتعلم، ويرتقي المناصب ويكون نافذاً في البلاد، لكن الريح كانت تجري دائما بغير ما تشتهي السفن، فالابن العائد سيعثر على الحقيبة في البيت، أثناء وجود والده في دمشق، وسوف يبدأ بقراءة تلك السطور التي يتبيَّن من خلال السرد المدوّن، أن الوالد نفسه قد كتبها، مؤرخاً لعلاقته المتعدِّدة، وسيرته وتفاصيله الكثيرة مع أصدقائه، وكذلك مع زوجته، وطبعاً مع زينب، كونها ضلع المثلث والتي تدور أغلب فصول الرواية حول سيرتها وعلاقاتها المريبة مع الابن والأب والأم، وأيضاً مع الشخصيات الأخرى، تلك التي تظهر في مسار الرواية، من أمثال حسن الهرش، وعيسى سعيد، وبولص، وآرتين صاحب الحانة، وغيرهم ممن يسهرون ويشربون ويكونون على رابط وعلاقة مع الأب أو الأم ، أو زينب المثيرة والمُغوية والجذابة.
لذا تتمحور الرواية حول زينب، فهي الشخصية المحورية في العمل، وعليها يتكئ السر الذي يحاول ابن مسلم فك شفرته، عبر قراءاته للمذكرات المكتوبة من قبل والده، فهو المؤرخ لمحنته ويومياته الشخصية في بيروت الحرب الأهلية، الأب الدوغمائي، المتقلب والمُتلوِّن عبر لون المرحلة التي يعيشها، فهو الأحمر أيام المدِّ اليساري في الستينيّات والسبعينيّات، والأزرق أيام النيو ليبرالية، وظهور الكومبودورات في زمن الحريري، رجل المال والاقتصاد والمشاريع التجارية، وذي النفوذ السياسي، التكتيكي في أزمنة ما بعد الحرب، مراحل بناء بيروت، وهو الأخضر والأسود والبرتقالي في حقبتي ظهور قوة حزب الله وولاية الفقيه الإيرانيتين، والتكتلات المسيحية المنضوية في أحزاب موالية لهذا وذاك.
بين هؤلاء، بين هذه التيارات المتصارعة والمتحاربة والمتطاحنة، نشأ ابن مسلم الطالب في ألمانيا، والمضغوط عليه من قبل الأب، على تحصيل علمه الديني من مدينة النجف العراقية .
من هنا يقع الراوي، أو ابن مسلم ضحية هذه الضغوط اليومية التي يحياها ما بين الوالد المهموم بالجنس والمال والنشر، وبين الأم المسيحية، ذات الأهواء والدوافع التي لا تخلو من جرعات الحرية الزائدة، سهر وليل ورقص وشراب شبه يومي في حانة آرتين، أو في العُلب الليلية والحانات والمقاهي المنتشرة، ضمن أماكن اللهو والسهر وطلب المِتعة، حيث أجواؤها العابقة بالدخان وروائح الأشربة والأطعمة، ناهيك عن أصناف من المخدرات التي تتعاطاها الشلة، خلال مشاويرها اليومية .
تكشف الرواية عبر مسارها المتشابك بين الزمان والمكان، عن شخصيات محبطة، قلقة، تعاني من أزمات وجودية، ممزّقة ومتشظية، من خلال تكالب الأزمنة المتواتر، حروب وجنس وضياع ومتاهات ومصائر حائرة.
من هنا تقع هذه المصائر، ضحية الحياة وتحولاتها الأنثروبولوجية، داخل مجتمعات تنتج حالات ومشكلات وهيئات سايكولوجية، سايكوباثية، تسوسها نظريات متنوعة دينية، ويسارية، وليبرالية. إنها مجتمعات تحتاج الى دراسات سوسيولوجية، لكثرة ما أصابها من تآكلات، وتمزُّقات، وخروقات، وأمراض وافدة ومتوطنة، بينما نرى الراوي وهو الشخصية المتوازنة إلى حد ما في العمل، ولسان حاله يقول: «طوَّقتني الحقائق بقسوة، الحقائق التي طالما سعيت إليها، طوقتني باختناق، فأنا مولود لأب ربّاني على التعصّب للأفكار الماركسية، وكان يوحي لي بأن الأيمان شكل من أشكال العته، ثم فجأة صار يضغط عليَّ للعودة إلى حضن الطائفة، أما والدتي التي تتحدر من عائلة ارثوذوكسية عاشت في أكناف المتصرّفيات، فيما عرَّابتي زينب الشيوعية الراديكالية والتي تكره وتحتقر كلَّ ما له علاقة بالأديان، كانت في الوقت عينه، تبكي على الحسين في عاشوراء، أما عيسى سعيد، آخر آباء ماركسيتي ومَثَلي الأعلى، في طفولتي ومراهقتي، لم يكن سوى أحد نماذج الفطريات التي تنمو حول الأثرياء والمشاهير».
تثير رواية «حانة آرتين» أسئلة عدَّة، وتخوض في قضايا مجتمعية برزت أثناء الحرب اللبنانية، أسئلة الكائن الوحيد وغير المتآلف والنافر من العلاقة المريبة التي أنتجتها الحرب، علائق ترتبط بالمصالح والامتيازات والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فساد الروح والأخلاق والمواقف، هذا ما تكشفه الرواية، في حمأة الروايات العاملة على ثيمة الحرب ومشتقاتها، وهي كثيرة، وبالأخص الحرب اللبنانية التي كُتب وقيل وسُرِد فيها الكثير من فن الحكي والقص والروي، وها هو علي نصَّار ينضاف إلى القائمة، ولكنه اختار نسقاً خاصاً به وسار عليه، ليضعنا أمام شخصياته المنحرفة، بدءاً بالأم والصديقة المُرَبِّية وبقية شلة المثقفين، من شعراء ورسّامين وروائيين وصحافيين ومتسكعين ومتبطلين، شلة أنس وسهر وضياع روحي، محوره المِتعة والمال وتهريب الوقت وقتله، بأية طريقة ممكنة. ويضعنا المؤلف ايضاً أمام التابوات المُخترَقة، والديستوبيات القائمة فوق هذه الحياة، وأبرزها كما تظهره الرواية، هو عقدة الرواية وشفرتها التي كُشِفتْ في السطور الأخيرة من الرواية، والمتجلي في انحراف الأم ومثليتها، واتخاذها من زينب العشيقة، والحبيبة، وصديقة العائلة، تلك العلاقة التي أفرزت طلاق الوالدين، لينتهي الأمر بالابن بالعودة من جديد إلى برلين، تاركاً كل تلك الحوادث خلفه، ليحيا حياته الأخرى في البعيد.
علي نصَّار: «سيرة مسلم في حانة آرتين»
دار النهضة العربية، بيروت 2017
302 صفحة