عزت القمحاوي في «يكفي أننا معاً»: أحلام الراوي وتأمُّلاته الذاتية

حجم الخط
0

 

الروائي المصري والقاص عزت القمحاوي، يعمل بصمت وهدوء، لا طنين وضجيج وصخب يصاحب مسيرته الإبداعية، بل سكون يشبه من يعمل في حارة للملائكة وليس في حارة مصرية. ربما هدوؤه هو، وصمته الظاهر وطلته المحفوفة بالحذر والتأني والتأمل، هي عوامل أخرى إضافية انسحبت وانضافت لأجوائه الكتابية والتعبيرية، فرواياته فيها بناء هادئ ومتسق ودقيق، فيها تأمل حذر، مع الجمل والكلمات والمفردات، من أجل التوصل إلى كتابة رشيقة، أنيقة وخالية من الترهّل الكتابي، لا زوائد في الجملة المروية لدى عزت القمحاوي، بل هي لديه مختصرة، ومكثفة، وفيها عناية في ترتيب الكلام، ونسقه يبدو للقارئ، رفيعاً، لا انتفاخ فيه، أو تورُّم، أي لا استطرادات هناك، ولا استطالات، بل هناك بناء معتنى به، من ناحية السرد والوصف واختزال حتى الشخصيات.
ثمة ديالوغ هناك، ولكنه مختزل وشحيح ومُرتب، ثمة مونولوغ داخلي، ولكنه لا يشتط ويزوغ نحو مسارب غير معلومة، ثمة وصف يُلاحَظ، وأيضاً الوصف يأتي كمُكمِّل ضروري وبانٍ للمشهد ليس إلا.
هذا ما يُستشف بشكل عام، من صيغة وأسلوب وشكل البناء الروائي لديه، ولذا نرى أعماله الروائية ليست طويلة، بل متوسطة الحجم، تفي العين بالشبع، كما في عمله الجديد «يكفي أننا معاً». إنها رواية وسط في طريقة حكايتها، السرد فيها واضح، بهي وباهر، لا تشاكل في الأنسقة المسرودة، ولا تعاضل في المبنى المحكي والمُقال. وتكاد هذه الرواية أن تقترب من نوع النوفيلا، لولا البناء الذي انبنت عليه حكايات مستعادة، من قبل أحلام الراوي، وتأملاته الذاتية، وروافده الشخصية في تعزيز العمل في الوصف الدقيق، لحركات الجسد والتداعيات المشهدية التي تستدعي الكلام المُساند، والمُساعد والمُعين، لنيِّة المشهد وللواقعة العَينيَّة.
الرواية وكما أسلفت أعلاه، تتحرَّك ويعلو بناؤها، عبر شخصيتين مركزيتين ومحوريتين، هما العاشق والمعشوق، المُحب والمحبوب، أو البطل والبطلة، ذكر وأنثى يلتقيان في أماكن معدودة ومحسوبة ومدروسة، تبدأ بالقاهرة وتنتهي في جزيرة ايطالية.
السياق العام للرواية يشكله جمال المحامي والمُرافع في قضايا شخصية تدور بين المحاكم والمشاكل التي يترافع عنها جمال الشخصية الأولى، تليها خديجة الشخصية الثانية التي تتعرف عليه بطريقة ما، كونه أعزب وهو ما زال في الخمسينيّات من العمر، تحاول خديجة بعد زيارة إلى مكتبه، أن تُغويه بطريقة حديثها ولبسها وعطرها، فتوقعه في حبائلها بالتدريج. لجمال أخت اسمها زينب، ولخديجة أخت متزوجة من دبلوماسي مصري يعيش في بلجيكا وأم. يحدث أن تسافر الأم والأخت ومعهما خديجة إلى بلجيكا حيث تقيم الأخت، هناك ستذهب الأخت والأم إلى المتاحف والأسواق والمطاعم، ولسماع الموسيقى. انه عالم إلى حد ما ارستقراطي، لطبقة وسطى، تشكل هذه المتطلبات أهواءها ومشاغلها وشؤونها اليومية، بينما جمال يسعى إلى توكيد نفسه عبر عمله، ويعيش حياة روتينية، مكتب وبيت وقضاء ومشاكل لا تنتهي للناس الذين يغوص في قضاياهم، ويُرافع عنهم.
في مصر سيتذكر جمال عطرها وفستانها ورقتها، هو الوحيد الذي لم يفكر حتى تلك اللحظة بامرأة تشغله عن عمله الذي يغرق فيه كلياً.
هي أيضا وهي في بلجيكا، تحاول استعادة شخصيته وبعض حركاته في مشوارها اليومي مع أختها وأمها، حتى يدفع بها الشوق إلى مكالمته عن طريق الواتساب، مرة ومرتين وثلاثاً، إلى أن تقع هي وهو في الفخ الملتهب للحديث الشائق الذي لا يخلو من همسات جنسية، تخجل خديجة بعد تلك الهمسات التي أجرتها معه قبل ليلة، فتعود إلى نفسها، أو تجد انها قد خرجت عن السياق والعرف والخلق العام، لفتاة سعت إلى الارتباط بشخص ما، حينئذ تتراجع عن تلك الفعلة وتحسب لها فيما بعد ألف حساب.
لقد «أحست بالهلع، إذ تذكرت التسريبات لمحادثات صوتية، وفيديوهات التنصُّت، التي يقوم بها أفراد ومؤسسات، أي يستخدمون هذه الأسلحة القذرة في الحرب السياسية الدائرة في البلاد».
بعد ذلك تُمضِّي خديجة الوقت مع أختها وأمها، بزيارة قاعات الموسيقى، لسماع فيفالدي وغيره، فضلاً عن انغماسها بقضية أختها التي بدأت تضيق ذرعاً بزوجها البخيل، والذي ينشط في السوق السوداء ببيع الخمور والسجائر المعفية من الجمرك، عن طريق أحد رجال الأمن العاملين في السفارة المصرية في بلجيكا.
غابت خديجة يومين بعد محادثة السكايب الخليعة، فجن جنون جمال منصور، المحامي الرصين والمُرافع المهم والدقيق، يذهب إلى البيت فيرى أحياناً أخته زينب في البيت، تعد له الطعام، لتساعده في تحمل العزوبية، بينما هو شارد في عالم متخيَّل، مع خديجة التي طالت مسألة اختفائها عن المكالمات والرسائل السريعة، يذهب إلى غرفته ليستغرق في تأملاته، يُقلِّب أمرها بين وجدانه الملتهب، هل حصل لها مكروه، أم انها كانت تلعب معي بمجرد حصولها على استجابتي؟ وساوس كثيرة كانت تنتابه وتحمله إلى أفكار ونتائج ليست في محلها، غيابها يكاد يُجْهز عليه، هل هو أساء لها بتصرفه هذا «يوماً بعد يوم، كان يزداد تشوشاً، بين مشاعر القلق والشوق والإحساس بالحرج» إلى أن كتب لها من جديد «لم أشعر من قبل بأنني وحدي إلى هذا الحد، أحتاجك بشدة». وبعد مرور اسبوع من الترقُّب والاضطراب والانشغال الكلي بغيابها، يضيء تلفونه وهو في مكتبه مُجيبة عليه بأنها كانت مشغولة في تلك الفترة، ويُمكن لها أن تلتقيه، فهي في القاهرة.
بدأ جمال يحلم ويطير، وهو واقف على شرفة منزله، وفي المكتب يسرح في بهاء جسدها والعطر الذي ترتديه، إلى أن يراها في مكتبه، تجيء إليه هذه المرة محمومة، شبقة، مترعة بالرغبة الملتهبة التي سيطفئها جمال بشغفه وصبره وانتظاره الذي طال حتى تحقيق هذه النشوة المثالية.
في القاهرة سيُمضيان الوقت بين المكتب والذهاب إلى حفلات هنا وهناك.
في تلك الأثناء، وفي جو تصاعد العلاقة إلى أوجها، راودت خديجة فكرة الانفراد معاً منذ كانت في بلجيكا، والآن حان وقت تنفيذ الفكرة، فها هي تجد مبرِّراً لسفرها مع جمال. وبعد تقليب الأمر في مخيَّلتها ومحاولة الشروع في تنفيذه، وقعت وهي تقلب المشاريع، على مؤتمر تستضيفه جامعة سابينزا في روما تحت عنوان «عمارة الآلهة والبشر» ومن هناك ستجد فرصة للاصطياف في بحيرة كابري الجميلة. يصلان إلى روما وهما في حالة بهجة ومرح وحب. الفندق أنيق والمكان مريح وهادئ وجذاب.
في المساء يقرِّران الذهاب لحضور الأوبرا، فروما مدينة موسيقية، وطراز معمارها شاعري، وبعد هديل الكمان والتموُّج الغنائي، الممتزج بتيارات موسيقية، يرتادان مطعماً، فيه غلالات من ضوء روما ودفئها، النبيذ يضيء المكان والشموع تأسر القلوب الولهى، المتلهِّفة إلى الجمال والغناء والموسيقى.
في روما تمرُّ الأوقات بهدوء سابغ، هي تذهب إلى ندوات المؤتمر، وحين تعود تورد له تفاصيل المؤتمر، وهو يُمضِّي صباحاته في القراءة وبمتابعة أخبار مصر، وفي الاسترخاء الذي كان في أمسّ الحاجة إليه.
لا شيء يحدث، حتى خديجة رغم الذي مرّ بينهما من حب وتوله وعشق مشوب بنار الشوق واللبيدو المثير، لم تعط نفسها له كلية، حافظت على عذريتها، مبتكرة الحِيَل، وهي تزوغ في كل مرة، من محاولاته المستمرة للإيقاع بها، ونيل المطلوب، لكنه كان يُجابه دائماً بقولها الدائم له «لن تنال الذي في بالك» مداعبة إياه ومبتعدة في الوقت عينه عن الوقوع في المطب.
غبَّ ذلك يذهبان إلى جزيرة كابري، بغية كسر روتين روما الذي غدا يتكرر كل يوم، فهناك الطبيعة الآسرة والفاتنة التي ستأخذ بلبابهما، حيثما حطا في تلك الجزيرة الذهبية «على مدى الأفق، تبدو أسطح البيوت والفنادق نظيفة، مثل قمم سفن تسبح وسط خضرة الأشجار المتصاعدة حتى قمة الجبل، تلامس السماء ثم تعود، لتنحدر صوب البحر، فتنطبق على خضرة الماء».
رغم السياق الهادئ الذي تتمتع به الرواية، أي كونها رواية رومانتيكية، خالية من التوتر، خالية من عنف الواقع، وعنف اللغة، ومن عنف صيغ الأنسقة التراجيدية، إلا أنها رواية سفر وحب واستطلاع ووصف لأدب رحلة، وكذلك رواية تساؤلات وشك وحوارات فلسفية جوانية، تشغل الراوي ومونولوغاته النفسية. رواية غَيْرَة وطموح رغبوي نحو الآخر، وملابسات تحدث نتيجة هذه الغيرة التي قد تعطل في المستقبل مشروع الحب هذا، كما طرحته الفصول الأخيرة من الرواية.

عزت القمحاوي: «يكفي أننا معاً»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2016
213 صفحة.

عزت القمحاوي في «يكفي أننا معاً»: أحلام الراوي وتأمُّلاته الذاتية

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية