غسان زقطان في «لو نمت قربي أمس»: مختارات شعرية جديدة وخبرة الصانع الماهر

حجم الخط
0

 

منذ عقود خلت والشاعر الفلسطيني غسان زقطان يعمل على قصيدته، يحنو عليها وينحت في عطفاتها ومناحيها وأجزائها، مثل معماري قديم، يبني بهدوء هذه الجماليات الشعرية، يُعلي من بهائها ورونقها، بخبرة الصانع الماهر، والعارف بأسرار البناء، دون كلل وملال، بل يتقدم في صنيعه، كحارث للكلمات فوق أرض القصيدة، لكي يمنحها الكثير من رونقه هو، من دفقه، وشغفه وولعه بالحفر الشعري، عبر مسيرة حياته الطويلة في المنافي الفلسطينية.
عرفت غسان منذ قرابة أربعين عاماً تقريباً، منذ نهاية السبعينيات، فتى مقبلاً على الشعر بمحبة قصوى، متقصياً أخبار هذا الفن في كل بقعة ومكان، ومُتعرِّفاً على الجيل الشعري العربي الذي كان يعيش في بيروت حينئذ، ويعمل في صفوف المقاومة الثقافية للإعلام الفلسطيني. نخبة ثقافية عربية من كل المشارب، كانت تأتي إلى بيروت، مؤازرة الشأن الفلسطيني العام، في شتى الحقول، الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبذا سترى الكثيرين، ومن شتى الطيف العربي هناك، التونسي والجزائري وكذلك السوري والعراقي والمصري. خليط أليف ومتنوع لثقافة وحدوية واحدة، تعمل في ذلك الأفق الراديكالي الصحيح، تعمل مع الثورة، وتصنع هي أيضاً ثورتها الخاصة بها، وأعني الثقافية، كما حصل مع النخبة العراقية الثقافية التي صنعت أفقها المختلف، والمغاير، والمتجاوز للشؤون الفاشية لثقافة الأنظمة العربية، وبروباغانداها التي تزعق ليل نهار، بمواصفات الحزب الواحد، الفاشي وقائده الواحد، الديكتاتور العربي .
كان غسان الشاعر والصحافي يعمل هناك مع الجميع صحافياً في الحقل الثقافي تارة، وأخرى في الشأن السياسي، أو الإداري الذي يدير شأن مجلة سياسية. بعد الحصار سيكون في تونس، عاملاً في المجال ذاته، لكنني وبعد تشتتنا بعد حصار بيروت، انتقلت إلى دمشق عاملاً في مجالي الصحافي ذاته، ليكون غسان هناك أيضاً، كانت مجلة «الحرية» التي يعمل فيها قريبة من بيتي وعلى مرمى خطوات، كنت أزوره هناك، وكان كعادته نشطاً، باسماً، متدفقاً بالحيوية والألق، ولكن بعد تضييق الآفاق على الكوادر الفلسطينية في دمشق، وحصار ثقافتها، انتقل قسم كبير منها إلى تونس، وقبرص، غسان التحق بتونس وأنا ذهبت إلى نيقوسيا، ومن هناك كنت أراقب نشاطه، حيث أصدر حينذاك ديوانه اللافت «بطولة الأشياء «عن دار «كلمة» لصاحبها المثقف الراحل حسين الحلاق .
شكل هذا الديوان علامة انتقال وتحول وتجاوز لعمله الشعري السابق، حيث بدأت تتضح المسيرة الشعرية لغسان، لتكشف عن مساراتها الفنية، ومشاغلها الجمالية الجديدة، وسط ضجيج شعري صاخب، كان من الصعب على المرء المتابع، أن يفصل فيه الغث والثمين والخشن واليانع .
مناسبة هذا الحديث هي صدور مختارات شعرية للشاعر غسان زقطان، هذا الشاعر المتحدِّر من صُلب شاعر أيضاً، هو خليل زقطان، فالشعر تسرب إلى غسان بسهولة، عن طريق الجينات، ليواصل عناء الأب ولكن بطريقة أخرى، مختلفة ومفارقة، عما كان يكتبه السلف من أشعار بالعربية .
تم انتخاب هذه الأشعار من سبع مجموعات شعرية، شملت البدايات والأواخر من الأشعار، وهي على التوالي «رايات ـ بطولة الأشياء ـ ليس من أجلي ـ استدراج الجبل ـ سيرة بالفحم ـ كطير من القشّ يتبعني ـ لا شامة تُدل أمي عليّ» .
تعكس البدايات وجع الرحيل، الرحيل الفلسطيني الذي ما زال مستمراً حتى كتابة هذه السطور، لا بل تعمق أكثر وامتد افقياً، ليشمل الشتات الفلسطيني كل العالم، إنها الدياسبورا الفلسطينية التي تكبر بفعل الاستيطان، وقطعان المستوطنين الذين يحلون ويستحوذون على ما تبقى من أمكنة فلسطينية، كل سلام يحكى هنا وهناك، هو كلام مُضلل وكاذب، منذ مرحلة «اوسلو» وحتى الآن .
ولعل قصائد البدايات، تشي بهذا الرحيل المستمر والمتواتر، تفصح عن الأسى الدفين في الروح الفلسطينية، قصائد قصيرة، ملموسة، ومهجوسة بدافع الحذف والتقطير، قصائد غسان هي كذلك، منذ البدايات، قصائد تُقدم الخلاصة الكلامية وإكسير المعنى، بلا لف ودوران، بلا تعمية واعتياص وغموض مفتعل، ذاك الذي يُشغل في الغالب الشعراء القاصرين، أولئك الذين يفتقرون إلى الرؤيا والابتكار والخلق الشعري، أي إلى الإبداع المطبوع بالعفوية والمصحوب بالعمق والسلاسة والشفافية، والأخيرة هذه خصلة، أجدها نادرة في شعر اليوم، العائم في الوعورة اللغوية، وتيارات العسر العالي، من مفردات وعناصر واستعارات اللغة الخشنة .
من هنا، يشكل الرحيل الثيمة الأساسية، والغواية الفنية الدائمة في شعر غسان. وهو يغطي مساحة كبرى من شعره، ذلك أنه قد خبره عن تجربة، فطبع حياته مثل أي فلسطيني باحث عن مكان ومستقَر ومضطَرب، مُترحِّل من مدينة صوب أخرى، تائه في هواء العالم، ومهموم بعناصر الكون، وقصيدة «هجرة» تلقي النور على ذلك، وتوضِّح على نحو جلي وجمالي وفني هذا المسار الطويل، وتحولاته وتقلباته في تضاعيف الزمن ومطبات المكان حيثما كانَ :

«كيف أنَّ الرجالَ مضوا كلهم
دون أن يتركوا قشّة كي ننام
دون أنْ يتركوا ولداً للحراسة
قلماً للكتابةِ،
فحْماً لهذا البقاء المخيف» .
في القصيدة التي تليها مباشرة وهي بعنوان «حلم» وهي قصيدة تتحدث عن عسكري يحلم بأشياء بسيطة، وعادية ويومية، يسعى غسان لأن يجسد الرمز ويمزج الخاص بالعام، الذات بالموضوع، خالقاً بذلك معادله الرؤيوي والفني والأليغوري الخاص به. ثمة المشهد اليومي، زائداً التفاصيل التي تحتاج الى اللمسة الفنية، لتؤكد أنها شعر وفن وصناعة سحرية. ففيها يجمع غسان عبر هذا التمازج العسكري مع حلمه، ثم الزوجة مع عطرها وزينتها، ودون ان ينسى التناسق، بين عمله حيث الخفارة ومن ثم الإجازة، وكذلك بين السماء والأفق النظيف من الطائرات، وبين اللوز الأبيض وملاسة النهد، وبين الضوء الذي سوف ينهض في الأوردة. كل هذا سوف يختمه بالضربة اللازبة، تلك النقرة الفنية التي تحول الثنائيات إلى واحد، حيث المشهد المُراقب من قِبَل الشاعر للعسكري وتفاصيله اليومية، سيحلمُه هو الشاعر، ذلك المشهد الذي يتعلق بالغياب والرحيل والموت :»مثلما يحلم العسكريُّ بماء نقيٍّ لشاي الصباح، وزوج لطفلته المقعدة
مثلما يحلم العسكريُّ
بأفق نظيف من الطائرات
وصف طويل من الأوسمة
مثلما يحلم العسكريُّ
بتسليم نوبته في الخفارة
مثلما يحلم العسكريُّ سأحلمُ
أنَّ الذين مضوا في الترابِ، أحبّوا الذهاب» .
وإذا خرجنا من الدائرة الموسيقية «فعولن» المنتسبة لبحر المتقارب، يمكننا ونحن نجول في هذ المناخ من التجوال الموسيقي الذي يشمل كل شعر غسان حتى قصائده النثرية، تلك التي تعتمد الطلة الخفية، والكلمات القليلة، ولكنّ بناءها مثل غيرها من القصائد يعتمد على الصورة الواضحة، هذه التي تستطيع أن تختزل الكثير من الكلام، وتقلل من وتيرة العبارات الفخمة والقول البياني المنيف. فالصورة الناطقة، والفاعلة في موقعها، هي ما يميزه بقوة، ومنذ بداياته عن الآخرين، حيث ثمة الصورة البليغة والكلام المنسق دون زوائد من التعبير الحوشي والتوشيات الزخرفية واللفظية. هكذا هو يتجول موسيقياً مثل شاعر رعوي، يعتمد على وقدة المخيلة وعمل المُتخيَّل، وهو يُعلي بنايته النغمية، وسلمها الموسيقي، وأيضا الذي يعتمد البحور الصافية، المنسجمة مع صفاء نبرته الشعرية. ففي قصيدة «تجوال» وهي تنتمي فنياً لسياق الرحيل ذاته، يأنس غسان إلى تلمس صيغة بحر الكامل ودائرته الموسيقية «متفاعلن» تلك التي تفاعلت ايقاعيا ونغمياً مع جوهر هذه القصيدة ومرادها الفني :
« ريفٌ يرفُّ على يدي، وعنزة في الحقل، عدةُ شاعر رعوي،
أحملها وأسرحُ منذ فجر الله في الأحياء،
تقطفُ غرَّتي امرأةٌ، فأقطفُ عمرها وأقولُ :
لي كتف من الأبنوسِ، تلمع تحت هودجه النساءُ» .
أما القصيدة الأخيرة في المختارات فهي لا تبتعد كثيراً عن هذه الأجواء الدرامية والميلودية، ذات الحس الجوّاني المغمور بالدلالات، المبنية على متوالية التكرار الولادي: «الجندي الذي نسيته الدورية في الحديقة، الدورية التي نسيها حرس الحدود على الحاجز، الحاجز الذي نسيه الاحتلال على العتبة «
حتى نهاية القصيدة التي ستستمر على هذا المنوال من الصيغة النثيرة .

غسان زقطان: «لو نمت قربي أمس»
سلسلة آفاق عربية، القاهرة 2016
226 ص

غسان زقطان في «لو نمت قربي أمس»: مختارات شعرية جديدة وخبرة الصانع الماهر

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية