في القاهرة… حين تكون بين الكتب والناس والأغاني!

حجم الخط
0

يستدعيني الدفء كلّ عام إلى القاهرة، ويغريني أكثر حين يُلوِّح لي بالشمس الذهبية. ما أسهل هذا الغوى، وما أيسر هذا الإغراء السائل دافئاً على جنبات النواصي، حين تكون في قاهرة المعز، تدرج في الأحياء والأزقة والساحات التي تستدير إليك بكل ما تحمله من ضوء لتحيِّيك، أنت الوافد من بلاد باردة، وسماء غائمة طوال العام، تأتي لترى وتستكشف زهور النيل، تلك التي حين تصوب تجاهها تغدوَ نيلية اللون، متمرغة بالكحلي، حين ترى النرجس يطفو على الشاطئ وزهور اللوتس التاريخية تأتي محمولة في تيار أو في جيوب موجة مقبلة من أسوان والأقصر والإسكندرية، فاللوتس الطافي ببياضه هو رمز الأزمنة المصرية القديمة، وستجده في محفوراتهم ومنحوتاتهم، وفي الطُنُف والأعمدة والأروقة والأبهاء المصرية القديمة للفراعنة وأسرهم الملكية.
أصل إلى القاهرة مساءً، على موعد مع أنيسي الكتاب، صديقي وأبي، فالكتاب بالنسبة لنا، نحن الشغوفين بالأمل، والد رؤوف، حان وحادب علينا، نحن الذين نمنحه بالمقابل حبنا ووقتنا لنأخذ منه اللباب والإكسير والجوهر، عله يعين مسيرتنا الصعبة، في هذا الوجود الذي أضحى يتعقد يوماً بعد يوم، وتزداد شواغله ومنافذه ليشغلك عن نافذتك الوحيدة، الكتاب، فهو كما قالت العرب سابقاً خير جليس، حقاً هو هكذا يبدو لنا، في هذا الوقت الدامي والمحترب والملوث برماد وغبار وروائح الحروب الهابَّة من كلِّ صوب على أمة تبدو كليمة.
في طريقي من المطار، أرى يافطات المعرض وهي ترفرف في المساء المصري الدافئ والمحمول على نسمة رقيقة، هذا المعرض الذي لا بدَّ للآتي من المطار أن يمرّ به، ليلقي عليه التحية، ويأخذ موعداً معه، وسط زحام مساء آسر. كنت قبل مجيء «الربيع العربي» وقبل أفوله وتحوِّله إلى «ربيع أسود» حسب رائعة الروائي الأمريكي هنري ميلر، كنت أزور بيروت كل عام، لأقضي قرابة الشهرين هناك، متنقلاً ما بين بيروت والجبل والبحر، ودمشق الرهيفة وأبوابها، باب شرقي، باب توما وقاسيون والضواحي الدمشقية الأليفة. لكن الأقدار الدامية حين تقع لا تزول ندوبها بسهولة، فتترك آثاراً وخدوشاً وجروحاً عميقة، لا تنطوي وتختفي وتذوب بسرعة، بل تحتاج إلى وقت وصبر وحكمة، وإلى فَهم وحنكة وتسوية، تلك التي ترمي إلى لملمة الجروح وتسكين الآلام، وطي صفحة غابرة، من أجل فتح أفق جديد للحياة، سيصار بعدها، إلى تضميد المدى المكلوم بالحراب، ورتق الفضاء المطعون بالسكاكين والرصاصات، وإعادة بناء الأفق المثقوب بالراجمات والصواريخ الوطنية.
غير أني وبعد مضي سبع سنوات من الحرب وتغوِّلها الرهيب، ومن ثم تبخترها كمارد بوجهه القبيح بين المدائن والقصبات والبلدات السورية، غيَّرتُ من وجهة سفري السنوي إلى بيروت ودمشق، لأستبدلها بالفضاء المسالم في القاهرة.

عالم طلعت حرب

محط رحالي سيكون في «ميدان طلعت حرب» المركز الجوهري والقلب النابض بحياة النهار والليل على مدار عشرين ساعة تقريباً. في الفندق أضع حقيبتي، ثم أتجه مباشرة إلى البلكونة، لأفتحها، وإذا بي أطل مباشرة على نصب الاقتصادي وباني نهضة مصر، طلعت حرب، حيث التمثال بهيبته الحجرية يتوسط الساحة، وكذلك سأرى مبنى «حزب التجمع»، فهناك «مجلة أدب ونقد» التي يعمل فيها الشاعر عيد عبد الحليم، وإلى يسار المبنى زقاق «الأتيلييه» الفني، ومن اليمين «مكتبة مدبولي»، وبطريق الحدس والحساب العقلي ستكون أمامها، كما هو معروف «مكتبة الشروق»، والى جانب المكتبة «الصيدلية» التي أتردد عليها أحياناً لحاجة ما، وتحت البلكونة مباشرة، سأرى مدخل زقاق مقهى «ريش» المؤدي حتماً إلى مقهى «زهرة البستان»، وأمامي سيكون واضحاً وأمام مرمى البصر، مكان مقهى ومطعم وباتيسري «غروبي» المغلق لغرض الصيانة. على بعد خطوتين منه سيكون «النادي اليوناني» الخاضع أيضاً منذ أكثر من عام لأعمال الترميم والتجديد والترسيم الحداثي.

الشرفة المشمسة

تناهى إلى سمعي خلال وجودي في القاهرة، أن بناء وموقع غروبي الرومانسي، الذي شهد أكثر من مرة تصوير لقطات أفلام عربية، من بينها فيلم لعبد الحليم حافظ وزبيدة ثروت، الهاربة من زواج أحد أقاربها الأغنياء، لتقع وتُغرم في ما بعد بالصحافي الشاب وخفيف الدم عبد الحليم حافظ، تناهى إليّ وأنا هناك، أن هذا المكان سيعاد فتحه ليستعيد أيامه الماضية، بعد أن حيَّدت الحكومة المصرية هذا المكان وجعلته إرثاً فنياً، بعد أن تقدم أحد الأثرياء من الإخوان المسلمين لشرائه، ومن ثمَّ جعله محلاً كبيراً لبيع الملابس، وما أكثر هذه المحلات في مصر الآن، وفي القاهرة تحديداً.

كم كنت غريبا

بعد تناولي للفطور في الشرفة المشمسة، أهبط متلهِّفاً لشراء شريحة تلفون بالقرب من «شارع شريف»، وهو يقع على مرمى خطوات، غير أن هذا الإجراء يحتاج إلى دور، ثم الانتظار في طابور من الجالسين لهذا الأمر، بعد أن أحصل على الشريحة، أتجه بالغريزة إلى موقع «الهيئة العامة للكتاب» الذي يقع في نهاية شارع «طلعت حرب» أي في وسط البلد، والمجاور لمبنى «القضاء العالي» المعلم المعروف والشهير في القاهرة.
فمن هناك سأقتني المجلد الشعري الذي أصدرته «الهيئة العامة للكتاب» لي، وهي ستكون المرة الأولى التي أنشر فيها في القاهرة، وقد ضمَّ المجلد أربع مجموعات شعرية جديدة لي، لم تنشر من قبل، سُمِّيت تحت عنوان شامل بـ«كم كنت غريباً». اشتري نسخة واحدة لأراها وأتملاها، وأشتري بعض الكتب التي صدرت حديثاً عن الهيئة قبل ذهابي للمعرض في اليوم التالي.

حلول الأصدقاء

يكاد المعرض أن يكون لقاءً سنوياً، تقليدياً، مع بعض الأصدقاء. هناك أدباء عراقيون يأتون ضمن وفود إلى القاهرة وغيرها من المدن المصرية، وثمة أصدقاء عراقيون يسكنون في القاهرة، مستبدلين الشتاء الأوروبي البارد والثلجي، بشمس القاهرة ودفئها الواسع ذي الحواشي الطويلة. وثمة أصدقاء يأتون من تونس والمغرب والجزائر واليمن وفلسطين، فتراهم هناك يجولون بين المقاهي وخيام دور معرض الكتاب الكبيرة والمتداخلة والملتفة بعضها على بعض، بحيث تكاد تضيع في تلك الزحمة من سيل الكتب والناس والأغاني، والباعة الجائلين أو الثابتين في مواقع قريبة من النشاطات الثقافية، وبالأخص «المقهى الثقافي»، فيختلط حينها، صدى الباعة بصدى الأدباء والكتاب والفنانين الذين يقيمون الندوات في خيام مفتوحة، والضجيج والزحام والأصوات الصادحة من كل حدب وصوب، حيث تتسلل إلى قاعة الأديب، أو خيمة الشاعر الذي يقيم ندوته وسط مكان يكاد أن يكون خالياً من الحضور والمستمعين والمهتمين بالشأنين الأدبي والثقافي والفني.
في الاعتقاد أن موقع المعرض، حيث الطريق المزدحم، ومن ثم الأرضية المقام عليها، وهي أرضية ترابية، وجمهرة الناس بحضورهم الكثيف، هو ما يستثير التراب ليغدو سحابات وشلالات ذرات في مناخ المعرض، باستثناء بهوه، وهو معد لاستقبال الضيوف وعرض عيِّنات من الدور الدولية المشاركة رسمياً، عبر وزارات الثقافة العربية والعالمية، ومؤسساتها الرسمية، مثل الصين واليونان وألمانيا، وبعض دول أوروبا الشرقية، وكذلك السعودية والعراق وعمان والأردن، وثمة أجنحة صغيرة للهيئة المصرية وفروعها، تتمثل في عيِّنات من إصداراتها الأدبية والثقافية والسياسية والتاريخية.
بعد المعرض ورحلته التي لا تخلو من التعب والإرهاق والمتعة أيضاً، يتوزع بعض الأصدقاء الوافدين وغير الرسميين، على المقاهي والمنتديات الثقافية في وسط البلد. سأكون في تلك اللحظات صحبة الصحافي والروائي المصري منير مطاوع، وهو زميل عمل وكتابة، وسنعرِّج معاً إلى «مقهى ريش» لما تمثله من تاريخ ثقافي بديع، أيام كانت محطاً لقامات كبيرة من الأدباء في زمنها الذهبي من زمن الستينيات، ولذا عمدت المقهى إلى وضع صور أبرز زوارها في رواق المقهى، كنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والشرقاوي ونجيب سرور وأمل دنقل، ويوسف إدريس وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم من قامات ذلك الزمن الغابر. وحين تتخطاها بخطوات قليلة، تستقبلنا مقهى «زهرة البستان» المقهى الشعبي والتاريخي أيضاً، ففيه يتجمهر الكتاب العرب من الوافدين إلى معرض الكتاب في أيام الجمع وغيرها من الأيام. في قلب هذا المكان التقيت الشاعر جرجس شكري، وكذلك الشاعر والناشر اليمني هاني الصلوي، والشاعر والمترجم المصري طلعت شاهين، الذي بدأ يتعافى من مرض عضال، وما زال هناك مجلس الشاعر عبد المنعم رمضان في المقهى، يكبر العام تلو العام، ففيه أحياناً يصار إلى قراءات أدبية وشعرية، حتى بات ذلك تقليداً مكرَّساً، يرعاه كذلك الروائي وحيد الطويلة، على نحو عفوي وبدون تخطيط مسبّق، فالدائرة تتسع وتكبر، ليتسع معها قلب الشعراء والأدباء، كي يتفكهوا ويستذكروا ويتبادلوا الكتب والمزح والذكريات.

التقاط الأنفاس

وحين يمتلئ الرأس بالضجيج، وتكون في حاجة إلى خلوة ما، إلى فسحة من الهدوء وترتيب الأحلام والمواعيد وتذكر الكتب التي سوف تحتاجها في شتائك اللندني الطويل، والتفكير في الكتب الجديدة التي سوف تطبع، وفي الكتب التي تكمن في زاوية ما من الرأس، أفكر في الذهاب إلى «حانة ستيلا « فهناك يمكنني الركون إلى الأعماق وترتيب الجوانيّات وهي تعيش فوضاها في عمق الباطن، فهو المكان الوحيد الملهم والبسيط والشعبي، وهو أيضاً يذكرني بحانات بغداد ودمشق القديمة، بالشراشف المقلمة والمحفوفة والمزيَّتة والمحروقة بأعقاب السجائر، وبالمرايا اليونانية العتيقة، تلك التي سوف ترى فيها ماضيك، صباك وفتوتك وطيشك الحياتي والشعري والثمل البديع للبدايات كيف بدأت وهبَّت وصارت حكاية.
على مقربة من هذا المكان ثمة زقاق نحيل يؤدي إلى مقصف «استوريال»، وهو مشرب ومطعم يحفل بالبهجة والدخان، ورائحة الشراب والطعام وعطور النسوة الأجنبيات اللواتي يبحثن عن مكان هادئ وأنيق، يلبي حس الطابع الجمالي للنساء الباحثات عن الأمان. في هذا المكان المتمتع بطابع نمساوي، فصاحبته كانت امرأة نمساوية، أسسته عندما كانت القاهرة تعج بالأجانب وبمختلف الجنسيات، ولكن أثناء مرحلة الستينيات بدأت تلك العوائل في الرحيل عن مصر عقب التأميم، وقضايا ناصرية أخرى سُنَّتْ في تلك الأوقات بخصوص الأجانب، المطعم ما زال قائماً ويعمل بوتيرة دائبة ليل نهار، فيه سألتقي الروائي المصري نعيم صبري، لندردش قليلاً في شؤون الأدب والشعر والرواية العربية.

٭ شاعر عراقي

في القاهرة… حين تكون بين الكتب والناس والأغاني!

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية