في ضرورة الاعتماد على الذات

■ يرى كثير من الخبراء والمحللين بأن ما تعيشه تونس اليوم من ترد في الوضع الإقتصادي، ومن ارتهان مالي للخارج من خلال اللجوء إلى الاقتراض، شبيه بالحـــــالة التي عرفتها البلاد قبيل كارثة وجود الحماية الفرنسية على أرض الخضراء سنة 1881، أي بعد نصف قرن من حلول هذا الخراب الاستعماري بأرض الجزائر المجاورة، حين دق نواقيس الخطر بقرب إطباقه على الجار الشرقي.
فقد عرف عن حاشية ملك تونس محمد الصادق باي، في ذلك الوقت، جنوحها إلى نهب المال العام بنهم غير مسبوق، وبرز لصوص كبار اشتهروا في زمانهم، مثل مصطفى خزندار ومصطفى بن إسماعيل وبن عياد وغيرهم. وهو ما جعل الدولة تكثف من الجباية في مرحلة أولى، خاصة بعد إخماد ثورة علي بن غذاهم وإنهاء العمل بدستور 1861، ثم الاقتراض من الخارج لتسديد حاجيات النهابين من الحاشية المحيطة بملك البلاد.
وأمام عجز البلاد عن سداد ديونها أنشأت الدول الأوروبية ما يسمى الكومسيون المالي (اللجنة المالية) وأعلنت وصايتها رسميا على الاقتصاد التونسي، وتم رهن أراض زراعية خصبة، إلى أن وجدت فرنسا الذريعة لاقتحام البلاد برا من الجزائر، وعبر البحر من محاور متعددة. وتم إجبار ملك البلاد في قصر باردو على إبرام معاهدة الحماية من قبل الجنرال الفرنسي برويار بطريقة مهينة ومذلة، وتم تدعيم معاهدة باردو بعد سنوات معدودات بمعاهدة المرسى، التي أقرت رسميا استعمار فرنسا لتونس بتعلة استرداد الديون المتخلدة بذمة الدولة التونسية.
ولعل ما جعل التونسيين يستحضرون تلك الأيام الخوالي والعار الاستعماري، الذي لحق ببلادهم هو إعلان الدولة التونسية مؤخرا عن رهن أكبر ملاعب كرة القدم في البلاد، ملعب رادس، إلى بنك «إسلامي» للتعامل بصكوكه المثيرة للشبهة، باعتبار حاجتها إلى المال لسد العجز في الميزانية. وزاد الطين بلة لجوء وزير تونسي إلى مؤسسة مالية فرنسية لوضع مخطط تنموي للبلاد، بمبلغ مالي مهم وكأن تونس أقفرت من الخبراء، وهي التي رصدت ثلث ميزانية الدولة على تعليم أبنائها منذ الاستقلال. فرغم نجاح البلاد في تجاوز أزمتها السياسية، من خلال حوار وطني رعاه الرباعي الفائز مؤخرا بجائزة نوبل للسلام، ومن خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة نهاية العام الماضي، إلا أن الوضع الاقتصادي السيئ بقي يراوح مكانه. ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة بعد «الثورة» من إيجاد الوصفة السحرية للإقلاع بالوضع الاقتصادي بالبلاد، التي تعاني من الركود، ولم تصل نسبة نموها هذه السنة إلى واحد في المئة.
فحتى الدول التي أغدقت بوعودها على رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في قمة الثمانية الكبار سنة 2011، حين كان رئيسا للحكومة ودعي استثنائيا إلى تلك القمة، لم تف بالتزاماتها بمنح الخضراء ما يدعم اقتصادها المتهالك من المنح والهبات. وهجرت بعض المؤسسات الأجنبية أرض الخضراء نحو وجهات قريبة تنتمي إلى الفضاء الجغرافي ذاته، أحسنت استغلال الحالة التونسية بأساليب فيها من القذارة الشيء الكثير، حتى أن بعضها اشترط على زبائن تونس الأوفياء في المواد المنجمية الانقطاع عن التزود من الخضراء حتى لو عاد الحوض المنجمي التونسي إلى نسق إنتاجه المتقطع بفعل الإضرابات، وذلك كشرط لتزويدهم بهذه المواد.
وساهم تغلغل الإرهاب والفكر التكفيري بين التونسيين في السنوات الأخيرة في تدهور الوضع الأمني، ما أثر سلبا على نسق الاستثمار وعلى قدرة البلاد على الجذب، وباتت منفرة للمستثمرين المحليين والأجانب. وزادت كثرة المطلبية والإضرابات التي تحركها مختلف النقابات العمالية، والانقسامات التي تصيب الأحزاب السياسية غير العقائدية التي تعتلي سدة الحكم وتتحالف مع حركة النهضة (المؤتمر، التكتل، والنداء مؤخرا) الأوضاع سوءا.
وأمام عدم استعداد أي طرف خارجي لمد يد العون لانتشال تونس من محنتها، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، الذي وضع شروطا مسبقة يصعب تنفيذها بالكامل من الجانب التونسي، نظرا لإغراقها في الليبرالية في بلد اعتاد على دعم المواد الأساسية ويلعب فيه القطاع العمومي والنقابات العمالية دورا بارزا، فما على التونسيين إلا الاعتماد على الذات، من دون انتظار العون من أي طرف كان. فهم مطالبون بأن يشمروا عن سواعد الجد ويقللوا من الإضرابات العمالية ويكفوا عن المطلبية ويضاعفوا من الإنتاج لتدارك ما فات. فتونس وإن لم تكن بلدا غنيا بالموارد الطاقية، لكنها ليست بلدا فقيرا مقفرا تماما من الثروات الطبيعية. فللخضراء حقول نفط وغاز تنتج للسوق الداخلية من دون أن يرقى الإنتاج ليجعلها بلدا مصدرا، ولديها مناجم فوسفات ضخمة تجعلها من المنتجين والمصدرين الأول لهذه المادة على مستوى العالم. وهي إلى جانب ذلك بلد زراعي منتج للغذاء يأكل شعبه من خيراته ويصدر لشتى أصقاع المعمورة منتوجات مهمة، تحتل البلاد مراتب متقدمة عالميا في إنتاجها وتصديرها، فهي على سبيل المثال الأولى عالميا في إنتاج زيت الزيتون. كما أن بعض الصناعات تطورت في تونس في السنوات الأخيرة، على غرار صناعة النسيج والصناعات الغذائية والكيميائية، وكذا بعض الصناعات التكنولوجية القابلة للتطوير. ويمكن العمل على دعم هذه الصناعات من خلال إدماج الكفاءات من خريجي الجامعة التونسية ومعاهد التكوين المهني، التي شهدت تقارير دولية، منها تقرير منتدى دافوس، بجودتها وريادتها في المنطقة.
وهناك عاملان يلعبان لمصلحة تونس، وهما العدد المحدود للسكان الذي ساهمت فيه دولة الاستقلال من خلال انتهاج سياسة لتحديد النسل، جعلت من مسألة إيجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، أمرا ممكن التحقق وغير مستحيل مقارنة ببعض بلدان المنطقة التي شهدت انفجارا سكانيا رهيبا بعد استقلالها. كما أن موقع تونس الجغرافي، الذي انبهر به رئيس وزراء فرنسا الأسبق جول فيري نهاية القرن التاسع وقال قولته الشهيرة «كنت محقا حين أتيت» وهو يتجول في بحيرة بنزرت الإستراتيجية، يمكن ان يجعل تونس منطقة عبور إلى شتى اصقاع العالم ويحرك ركودها الاقتصادي، فهي تتوسط قارتي أفريقيا وأوروبا ومشارق الأرض ومغاربها، وهي قلب المتوسط الذي كان في وقت ما قلب العالم.
وبالتالي فإن المسارعة بتطوير المطارات التونسية، وخصوصا المطار الضخم الجديد «النفيضة – الحمامات الدولي» ليحتل صدارة الموانئ الجوية التونسية عوضا عن مطار قرطاج الذي انتهى عمره الافتراضي، والتعجيل بأشغال ميناء المياه العميقة قرب مضيق صقلية الواقع على الطريق التجارية الدولية بين مضيق جبل وقناة السويس، بات ضرورة ملحة لجعل البلاد منطقة عبور (ترانزيت) ولتحريك عجلة الاقتصاد.
فموقع تونس جد مهم وهو الذي جعلها قوة إمبراطورية في العصر القرطاجي قامت بالأساس على التجارة الخارجية والزراعة ووصل نفوذها إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وخليج غينيا وجنوب فرنسا وصقلية ومالطا وكريت اليونانية. كما أن هذا الموقع جعل الخضراء ركيزة أساسية في الصراع العثماني الإسباني خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وجلب لها لعنة الاستعمار الفرنسي، بعد أن أدرك الفرنسيون، كما العثمانيون والإسبان أن مفتاح المتوسط هو مضيق صقلية في جانبيه التونسي والإيطالي، حتى أن مدينة بنزرت التونسية القريبة من هذا المضيق بقيت مستعمرة فرنسية بعد استقلال تونس، إلى أن قرر الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة خوض معركة عسكرية ضد الجيوش الفرنسية لتحريرها، سميت معركة الجلاء خسرت فيها تونس عددا مهما من الشهداء لكنها انتهت بتحرير كامل الأرض وتصفية آخر جيوب الاستعمار والقضاء على القواعد الأجنبية التي رغبت في الاستقرار بأرض الخضراء.

٭ كاتب تونسي

ماجد البرهومي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية