في ضرورة الالتفات إلى أمننا الإقليمي المغاربي

يؤمن عدد مهم من التونسيين بأن اتحاد المغرب العربي هو خيار استراتيجي لا محيد عنه، وقد تجسد ذلك في مشاركتهم الفاعلة في اتحاد طلبة شمال أفريقيا المسلمين في باريس سنة 1927، وفي تأسيس مكتب المغرب العربي في القاهرة سنة 1947، ثم لجنة تحرير المغرب العربي أثناء فترة الكفاح المشترك ضد الاستعمار.
كما لم تتخلف تونس ممثلة بالحزب الحر الدستوري والزعيم الحبيب بورقيبة عن مؤتمر طنجة سنة 1958، رغم معارضة القاهرة التي اعتبرت المؤتمر محاولة من التونسيين والمغاربة لاحتواء جبهة التحرير الجزائرية في ذلك الوقت.
واستمر اهتمام التونسيين بمغربهم الكبير وسعوا جاهدين مع أشقائهم إلى بناء شكل من أشكال الوحدة ينهض بهذه الشعوب المناضلة التي تربت منذ القدم على محاربة الغزاة القادمين من مختلف أصقاع الأرض. فكان الحضور الفاعل في لقاء زيرالدة في العاصمة الجزائرية سنة 1988، الذي مهد لقمة مراكش سنة 1989، التي أعلن فيها رسميا قيام اتحاد المغرب العربي الذي لم يصمد طويلا بفعل تجاهله لأهم قضايا المنطقة.
ولعل تنصيص دستور استقلال تونس لسنة 1959 في فصله الثاني على أن «الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي الكبير تعمل لوحدته في نطاق المصلحة المشتركة»، وأن «المعاهدات المبرمة في هذا الغرض، التي قد يترتب عنها تحوير ما لهذا الدستور يعرضها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي بعد أن يوافق عليها مجلس النواب، حسب الصيغ والشروط المنصوص عليها في الدستور» خير دليل على أهمية هذا الخيار بالنسبة إلى التونسيين. وقد أكد على هذا الخيار دستور تونس الجديد لسنة 2014 المؤرخ في 26 يناير 2014 والذي جاء فيه أن «الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي، تعمل على تحقيق وحدته وتتخذ كافة التدابير لتجسيمها».
إن المتأمل في مسيرة الوحدة المغاربية يدرك أهمية ما أنجز، لكنه يصاب بالحسرة والأسى على مآل الأوضاع في الوقت الراهن. فليبيا غائبة تماما عن أي حلم وحدوي وهي بالكاد تحافظ على وحدة أراضيها، وهياكل الاتحاد معطلة وجامدة والعجز في عقد قمة مغاربية باد للعيان، بفعل هروب إلى الأمام وتجاهل لواقع مرير تم تجميله، حصل من قبل القادة المغاربيين في قمة مراكش، متمثلا في إبعاد قضايا مهمة عن الاتحاد الناشئ ورمي الملف في أروقة المنتظم الأممي، وكأنه الأحرص على حل هذه المعضلات من أبناء المنطقة أنفسهم.
وبما أن التاريخ عبرة، وبما أن البعض لا يعتبر من تجارب من سبقوه، فقد حاول مغامرون ممن امتهنوا السياسة في سن متقدمة، ووجدوا أنفسهم في قمة المشهد التونسي، إعادة الكرة، بالدعوة إلى استئناف العمل المغاربي المشترك، وترك أهم القضايا العالقة إلى الأمم المتحدة فباءت جهودهم بالفشل الذريع. لقد حاول هؤلاء الانطلاق من حيث بدأ من سبقهم، لا من حيث انتهوا، فلم يجدوا آذانا صاغية لأن اجترار التجارب الفاشلة لا يمكن أن ينتهي إلا بالفشل الذريع.
لقد بقينا كتونسيين بعيدين لعقود عن ملفات منطقتنا المغاربية وقارتنا السمراء، إلى أن فاجأنا الإرهاب مقبلا إلينا من شمال مالي، فتناهى إلى مسامع بعضنا وللمرة الأولى أن هناك شيئا ما يسمى إقليم أزواد وعاصمته تمبكتو لؤلؤة الصحراء، إحدى حواضر الإسلام المهمة في بلاد المغرب، وأن هناك معاناة إنسانية ضحاياها إخواننا الطوارق المغاربيين، وسببها اضطهادهم من قبل حكومات مالي المتعاقبة، وأنها قضية يستغلها الإرهابيون والمهربون لاستقطاب الشباب الأزوادي. كما أدرك بعض التونسيين وللمرة الأولى أن مالي على مرمى البصر، وأن باماكو وتمبكتو وغاو وغيرها من المدن المالية والأزوادية، تدخل في دائرة أمننا القومي، وأن غيابنا لن يعود علينا إلا بالوبال.
لقد وجهنا بوصلتنا لعقود صوب غرب القارة العجوز، بل أصبح تصورنا لخريطة العالم يشمل فقط باريس وروما وبرلين وبعض عواصم المشرق العربي والخليج، وحتى معرفتنا بالولايات المتحدة تقتصر على تدخلها في ملفات الشرق الأوسط، إما مساندة للكيان الصهيوني أو للاستئثار بمقدرات منطقة الخليج العربي. ولا نعرف حقيقة ما يحصل في محيطنا خلف الجزائر وليبيا، حيث عمقنا الإستراتيجي ومجالنا الحيوي الطبيعي، حيث مغربنا الكبير المترامي وقارتنا الأفريقية التي أهملناها، رغم أننا كنا أول من اتصل بشعوبها من بين نظرائنا الشماليين، وربط معهم حبال الوصل وتعاون معهم في مختلف المجالات. وما رحلات حنون القرطاجـــــي إلى خليج غينيا وساحل العاج وسواحل ما تعرف اليوم بالكاميرون والغابون وإقامته المرافئ التجارية على السواحل الأطلسية الأفريقية شمالا ووسطا إلا دليل على تجذر القرطاجيين في قارتهم حقبا مهمة قبل ميلاد المسيح.
لسنا مطالبين كدولة تونسية أن نتدخل سياسيا في قضايا المنطقة الشائكة، لكننا مطالبون بالإطلاع عن كثب على مآل الأوضاع وفهم حقيقة ما يحصل بالرؤية لا بالسماع. ولم لا نساهم في مد العون إنسانيا للمتضررين والأخذ بيدهم لمواجهة صعوبات الحياة، قبل أن تطبق عليهم كواسر الجماعات الإرهابية التي ترتع في المنطقة فلا تبقي منهم ولا تذر، لأن أمننا القومي يصنع هناك قبل أن يصنع في دمشق وغيرها من مدن المشرق، على حد تعبير البعض.
يجب ألا يبقى الحديث في الملفات المغاربية الساخنة من التابوهات في تونس، حتى لا نغضب هذا الطرف أو ذاك، فمن حقنا أن نبحث في أمننا القومي الإقليمي، في الإعلام وفي مراكز البحوث والدراسات، لأننا مهددون ونخوض حربا حقيقية ضد الإرهاب، ومن واجب أشقائنا ان يتفهموا هذا الأمر، خاصة أننا لا نحتج على بعض سلوكاتهم المضرة في كثير من الأحيان باقتصادنا الوطني وبثرواتنا المنجمية بقصد أو بغير قصد. كما من حقنا أن نبحث عن حلول للدفع باتجاه الشراكة المغاربية الشاملة، ويجب ألا نكون مجرد متفرجين نوقع على الاتفاقات في مراكش وزيرالدة وغيرها، من دون أن نساهم في صنعها وفي تقريب وجهات النظر وحلحلة الأوضاع المعقدة.
فنحن الأصغر حجما من حيث المساحة بفعل تلاعب الاستعمار بالخرائط وليس بفعل فتوحات عظيمة وباهرة أنجزها البعض وعجزنا نحن عن تحقيقها، ومن حيث عدد السكان بإرادتنا وبفعل سياسة تحديد النسل التي انتهجتها دولة الاستقلال، لكننا نبقى رغم كل شيء الحضارة الأقدم والأكثر تأثيرا (قرطاج) وعرف عنا قرارنا السيادي منذ الاستقلال.
ولو كانت الأمم تقاس بالمساحة وبعدد السكان لما تحكمت هولندا التي يكاد يبتلعها البحر بمصير أندونيسيا أكبر بلاد الإسلام، ولما أصبح الأرخبيل البريطاني المتناثرة جزره الصغيرة في أطراف أوروبا إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، تهيمن على أجزاء من الصين والهند وأفريقيا والمحيط الهادئ وأمريكا الشمالية، ولما احتلت اليابان البركانية التي لا تكاد ترى على الخريطة منشوريا الصينية والكوريتين لعقود.

٭ كاتب تونسي

ماجد البرهومي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية