يستغل الإرهابيون على طول الشريط الحدودي الجبلي التونسي مع الجزائر، الممتد على ثلاث ولايات (جندوبة، الكاف، القصرين) كهوفا كانت إلى زمن غير بعيد معاقل للمقاومين التونسيين للاستعمار الفرنسي، ولاحقا لجبهة التحرير الوطني الجزائرية تستهدف انطلاقا منها المستعمر من أراضي تونس المستقلة. فالمقاومة التونسية المسلحة التي أعطى إشارة انطلاقها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة سنة مع بداية سنة 1952 خططت لأولى عملياتها بأحد كهوف جبل سمامة بقيادة المرحوم الأزهر الشرايطي، ويمكن لهذه «البيوت» المحفورة في الصخر أن تروي قصصا وملاحم أبطال ولجوا إلى الخلود من بابه الواسع، على غرار ساسي لسود والطاهر لسود ومصباح الجربوع وعمار بالطاهر المسعودي وغيرهم من رجال المقاومة التونسية المسلحة للاستعمار الفرنسي.
ولعل الرئيس الجزائري محمد بو خروبة أو هواري بومدين، كما عرفه العالم، من أشهر الذين خبروا تلك الكهوف إبان مقاومته للمستعمر الفرنسي انطلاقا من الأراضي التونسية. وتشهد الربى والفيافي المترامية والتضاريس الوعرة المكسوة بغطاء نباتي أخضر ساحر المحيطة بهذه الكهوف، عن بطولات الأيام الخوالي لرجال المقاومتين التونسية والجزائرية الذين سالت دماؤهم واختلطت من أجل العزة والكرامة، سواء في أحداث ساقية سيدي يوسف أو في غيرها. وقد كان من المفروض ان تتحول هذه الكهوف بعد استقلال تونس إلى مزارات للمؤرخين والباحثين من شتى أصقاع المعمورة، ولهواة الاستكشاف والمولعين باقتفاء أثر الملاحم والبطولات. وتصبح مصدر جذب لفئة راقية من السياح الأجانب تختلف عن تلك التي تنتمي إلى الصنف الثالث أو العاشر التي تحج إلى تونس سنويا في الموسم الصيفي من ربوع القارة العجوز بحثا عن الشواطئ.
لكن شيئا من ذلك لم يحصل، وعانت تلك الربوع لعقود من الإهمال واللامبالاة، ولم تتم تهيئة تلك الكهوف والمناطق المحيطة ببنى تحتية راقية تفك عزلتها وتسهل عملية الوصول إليها. كما كان يفترض أن تنجز بها متاحف تخلد المعارك البطولية التي انطلقت من هناك واستراحات وأماكن للترفيه والاستجمام باعتبار الطبيعة الساحرة لذلك الجزء التونسي من جبال الأطلس الذي يشبهه البعض بسويسرا من حيث التضاريس والغطاء النباتي الكثيف. ولأن الطبيعة تأبى الفراغ، فقد انقض الإرهابيون على تلك المناطق المتاخمة للحدود مع الجزائر باعتبارها غنيمة لا تقدر بثمن، بعد أن خبروا مسالكها الوعرة والتضاريس الصعبة المحيطة بها. وباتت قاعدتهم للتخطيط لعملياتهم التي تقوم بالأساس على الغدر ونصب الكمائن والعبوات الناسفة لعناصر الجيش وسط أحراش غابية ومسالك صخرية وعرة. وتتحمل الدولة التونسية مسؤولية هذا التقصير باعتبار تركيزها للنشاط السياحي على الشواطئ والمناطق الساحلية وبسبب قصر نظرها في ما يتعلق بعملية التوثيق للذاكرة الوطنية. كما يتحمل القطاع الخاص بعضا من هذه المسؤولية، خصوصا وقد عرف عن رجال الأعمال التونسيين عموما عزوفهم عن الاستثمار في المجال الثقافي، ونفورهم من المناطق الداخلية البعيدة عن البحر، وينسحب الأمر على أبناء المناطق الداخلية أنفسهم الذين يهجرون مواطنهم باتجاه المدن الكبرى على الشريط الساحلي التونسي.
وحتى الجانب الجزائري يعتبر مقصرا في هذا الإطار باعتبار أن تلك الكهوف إرثا مشتركا، لا يعني التونسيين وحدهم، وجزءا من الذاكرة الوطنية الجزائرية. ولا يتصور عاقل أن الأجيال الجديدة من الجزائريين لا يهمها أن تطلع على ماضي الآباء والأجداد الزاخر بالبطولات والأمجا،د وتوثق الملاحم التي انطلقت من تلك الربوع في متاحف ومزارات يقبل عليها رواد من مختلف اصقاع العالم.
وتبدو مرحلة الوجود الفلسطيني في تونس، التي بدأت إثر الاجتياح الصهيوني لبيروت سنة 1982، وتواصلت لاحقا، وشملت في البداية قيادة منظمة التحرير وجزءا من المقاتلين، التحق بهم مواطنون وطلاب جامعات، بحاجة أيضا إلى عملية توثيق للذاكرة من الجانبين التونسي والفلسطيني، باعتبارها إرثا مشتركا تونسيا فلسطينيا. وهي أيضا مرحلة على غاية من الأهمية في تاريخ تونس الحديث المساند لحركات التحرر في العالم بدءا بالثورة الجزائرية وانتهاء بشقيقتها الفلسطينية، مرورا بنضال السود في جنوب أفريقيا ضد نظام التمييز العنصري والدعم الذي وجده الراحل نيلسون مانديلا من الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي تعرض له «ماديبا» في فصل من مذكراته. فمن الضروري إقامة متاحف تخلد هذه المرحلة من النضال وخلق مسلك سياحي يشمل عديد المناطق التي مر منها القادة الفلسطينيون، على غرار جهة حمام الشط التونسية التي طالها العدوان الصهيوني والقصف الغاشم سنة 1985. كما يشمل هذا المسلك المقرات التي اتخذتها منظمة التحرير الفلسطينية، سواء في حمام الشط أو منطقة المنازه في العاصمة التونسية، وإقامات القادة الفلسطينيين في تونس، وعلى رأسهم الزعيم الراحل ياسر عرفات، والزعيمان خليل الوزير أبو جهاد وصلاح خلف أبو إياد وغيرهم، ممن سقوا هذه الارض التونسية بدمائهم الزكية ووجدوا في أرضها الملاذ الآمن بعد ان اكتووا بظلم العدو وبعض ذوي القربى من أشقائهم العرب.
لقد مر قائدنا القرطاجي «حنا بعل»، أو «هنيبعل»، كما يطلق عليه بعض الإخوة في المشرق، في مسيرته التاريخية إلى روما لحصارها في قرية إيطالية أقام فيها بضعة أيام للاستراحة وإراحة الجنود والدواب، فبات نشاط أهلها الأساسي اليوم هو التعريف بقائدنا التونسي ونحت تماثيل له ولجيشه المشكل من قوميات متعددة أخضعتها قرطاج لسلطانها في ذلك الزمن، على غرار شعب جزيرة كريت اليونانية والصقليين والأمازيغ والأفارقة والإيبيريين وغيرهم. كما تستغل أماكن وهمية في هذه القرية على أنها إقامات كان يرتادها الرجل وجيشه قبل آلاف السنين، وأصبحت تضم مسلكا سياحيا يرتاده الباحثون عن معرفة أخبار قرطاج وقائدها العظيم، فيما قرطاجنا نفسها تغط في سبات عميق وتعجز عن التوثيق لذاكرتها الثرية ولشعبها الذي وصلت آثاره إلى ربوع القارة السمراء في ما يعرف اليوم بساحل العاج وخليج غينيا وحتى الكاميرون والغابون، إضافة إلى البلاد المغاربية حيث المعقل (تونس) وجزر المتوسط وجنوب القارة العجوز.
كاتب تونسي
ماجد البرهومي