«كم كنت غريبا» للشاعر هاشم شفيق: محاولة ترويض المنفى والبحث عن البرابرة الجدد

حجم الخط
0

للشاعر العراقي المقيم في لندن هاشم شفيق صدر حديثاً كتابه الشعري «كم كنت غريباً»، عن الهيئة المصرية للكتاب، في ما يجاوز الخمسمائة صفحة. وينتمي شفيق إلى جيل السبعينيات الذي أسس ركائز قوية داخل العراق، قبل أن يهاجر الكثير من أبناء ذلك الجيل إلى المنفى، بعد أن عصفت بهم الظروف السياسية المتقلبة. وقد أثبت شفيق حضوره منذ ديوانه الأول، الصادر في بغداد عام 1978 والذي كان بعنوان «قصائد أليفة». ضم الكتاب أربع مجموعات شعرية مختلفة في الشكل، ما بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر وقصيدة شبيهة بقصيدة الهايكو أو قصيدة الومضة.

المنفى

في قصيدة بعنوان «المنفى في قصيدة» نجد الشاعر يروض المنفى ويختصره بقصيدة تذيب جليد المنافي وتجعل الأرض خضراء، وهو الذي منذ صغره مفتون وعاشق للقصيدة، يقول هاشم شفيق في قصيدة «المنفى في قصيدة»:
مذ كنتُ صغيراً
وأنا منفيٌّ بقصيدة، ولهذا حين أتيتُ إليها
وأنا في الخامسة، جلبتُ لها، أشجاراً من أرضي الريفية
وغيوماً من سكر..
حين كبرتُ قليلاً، جئتُ بطياراتٍ من ورق ٍ
ألعاباً من طينٍ، وبيوتَ عرائس..
حين غدوتُ فتىً، جئتُ لها بفتاة ناهدةٍ
وجلبتُ كحولاً، كي أشرب صحبتها
ونقرأ قصيدة بعنوان «لم أرَ أحداً» وهي قصيدة فيها الكثير من الألم واللوعة، العائد إلى بلدته بعد منفى طويل يمشي وحيداً في طرقات بلدته التي كانت تعج بالناس وطيبتهم التي تتقافز فوق أسيجة البيوت وفوق الأشجار والطرقات، البلدة ليس فيها خطى ولا شيء سوى مواء القطط وكلاب عرجاء ومزابل في وسطها، هكذا هو حال العراق تماماً، يصطدم العائد من منفاه إلى مدينته أو قريته في العراق فيرى الإهمال وانعدام النظافة والفقر والجوع والحيوانات المنتشرة في كل مكان، باحثة عن مأوى ومأكل في شوارع شبه مهجورة، خاصة في فترات الحرب الطائفية التي اشتعلت داخل العراق قبل عشر سنوات تقريبا، وكانت العاصمة بغداد لها القسم الأعظم من هذه الحرب، فأصبحت المدينة ثكلى بأبنائها! فالشاعر له حاسة فريدة تقفز فوق المشاهد، التي يتخيلها ليصور لنا المشهد بهذه الدقة وبهذا الجمال المؤلم الذي ينثال من أحرف القصيدة، التي يقول في مطلعها:
لم أرَ أحداً غيري، في هذه الطرقات،
يقرعها حجراً، حجراً
ورصيفاً تلو رصيفٍ، فالشارع خالٍ، إلا من ريح تتجولُ، بثياب السهرة
أين الجيرانُ، حكاياهم، ونساء البلدةِ أينَ؟
البلدةُ شاحبةٌ، لا خطواتٍ هنا
غير مواء القطط الشاردة الجفلى
غير كلابٍ عرجاءَ، تحوم على جيفٍ
ومزابلَ في قلب البلدة.

البرابرة

في أجواء المجموعة «كم كنت غريباً» يحدثنا الشاعر عن الوطن والمنفى والشعر والحب والحنين إلى النبع الأول (الوطن الأم) فمن ذرى وجبال كردستان العراق يقف الشاعر ليكتب لحظته التي تمناها منذ أكثر من ثلاثة عقود من الغربة، التي عاشها متنقلا ما بين دول ومحطات حتى استقر به المطاف في لندن قرابة الثلاثة عقود، فيختار شفيق عنوانا لقصيدته ويطلق عليها اسم «لحظة البرابرة» العنوان مستوحى من قسطنطين كافافيس، أحد أعظم شعراء اليونان في قصيدته الطويلة المعروفة «في انتظار البرابرة»، وقد كتب قصيدته في مدينة السليمانية عام 2014 في إحدى زياراته إلى العراق. فيقول في مطلع القصيدة:
من مكاني هنا
في الجبال البعيدةِ،
من مرقبي وسط كرد الحقولِ
بقثائهم، وسلال الطماطمِ، والتوتِ
هذا الذي لطخ الدربَ، ثم الرصيفَ
بأطيافه السكريةِ من مرقبي
نلاحظ في المقطع أعلاه كيف أن الشاعر يصف المكان بدقة وهو يقف فوق واحد من جبال العراق الشامخة في كردستان، وينظر إلى حقول الأكراد في مدينتهم ويصف كل ما شاهده بطريقة الشاعر العارف والبارع في وصف الأشياء، حيث أن الطريق الى الحقل قد تلطخ بسلال الطماطم والتوت والرصيف الذي أصبح لونه أحمر بأطيافه السكرية. ثم يمضي الشاعر بقصيدته وهو يستذكر أمكنة وشخوصا من جنوب العراق إلى وسطه، حتى يصل إلى حطام تماثيلنا الآشورية في الموصل الحدباء، التي دمرها تنظيم «داعش»، فيستنجد بالأنبياء الذين عاشوا في الموصل مثل يونس وشيت ودانييل، ويذكراسم الشاعر كفافي ويربط بين برابرة الأمس الذين ذكرهم وبرابرة اليوم الدواعش، الذين دمروا كل ما هو جميل وفيه عبق الإنسانية والتاريخ والإبداع، التي عبثت بها يد الرذيلة برابرة «داعش» الذين أطلق عليهم الشاعر هذا التوصيف الدقيق فيقول في القصيدة نفسها:
بحنجرتي الأممية
بابن الأثير وكامله المستنير
بشعر أبي تمام هذا الذي ضربته المدافعُ
وسط حطام التماثيلِ
من شرفتي، في شمال العراق
كفافي يكاشفني، ببرابرة اللحظة الآن.
إنهمو في المآلِ، همو الغابرون…

القاتل

ثم يستمر الشاعر هاشم شفيق بقصائد المجموعة الأولى «كم كنت غريباً» يتحدث عن مشاهداته للخراب والدمارالذي عم وطنه العراق والقتل المجاني والتهجير القسري، فظل الشاعر يبحث عن مصدر هذا القتل والتدمير ومن هو القاتل؟ فبعد رحلة طويلة يجوب فيها كل مطارات العالم وقطاراته وسياراته ومافياته في جنوب أمريكا وأوروبا وغيرها، إلا أنه لم يعثر على القاتل هناك! لكنه يعثر عليه بيننا في كل لحظة يأكل ويشرب وينام معنا، إنها الطائفية التي يبث سمومها رجال الدين، عبر خطبهم في التأجيج الطائفي لأبناء البلد الواحد، من أجل ان يتقاتلوا وحتى يحصلوا هم على المناصب وثروات البلاد! الشاعر يبحث عن القاتل داخل قصيدته، فيقول في آخر قصائد المجموعة التي هي بعنوان «بحثنا معاً عن القاتل»:
بحثنا معاً عن القاتل،
في القرى النائية، في البلدات الشاحبة
والعواصم المضوّأة، بحثنا عن القاتل في الفنادق الراقية
يأكل من طبخنا، ويشرب من يدينا
إنه أخٌ لنا، نائمٌ في سريرنا بلحيته الجعداء
وصوته الجهوري الذي ينادي بحب الله …

شاعر وكاتب عراقي يقيم في النرويج

«كم كنت غريبا» للشاعر هاشم شفيق: محاولة ترويض المنفى والبحث عن البرابرة الجدد

هادي الحسيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية