لدواع جمالية ومقترحات نفسية لا تحصى، أنصت لنداء الدواخل وألبِّي طروحات السفر الى السليمانية، ربيع كل عام تقريباً، منذ انقطاعي عن الذهاب إلى بغداد قبيل خمس سنوات. فبغداد لم تعد مكاناً آمناً، ليس ثمة حيز لفعل الحرية، ليس ثمة روح ديمقراطي حقيقي، بل هي الآن مكان مذهبي بامتياز، وساحة صراع للطوائف، والمثقفون العراقيون مهمشون، معزولون، ومنبوذون، كونهم يبيعون الحرية في السوق السوداء، ويحاولون الوصول الى الديمقراطية بمركبة خيالية، لهم شارع واحد، تركه لهم أبو الطيب المتنبي، تركه لهؤلاء الأحفاد السائرين في هذا الشارع الذي تضيئه في الظلمة مصابيح صنعت من الكلمات، والمعاني ومجازات وتوريات تنقلها في الضحى قوارب دجلة الى مجموعة حالمة، وهائمة في هذا الشارع، لمن هم في الحقيقة من تبقى من أحفاد المتنبي القتيل في أرض العراق .
أربيل
أصل الى اربيل، فهي مدينة ملثمة بالشلالات، ومُقنَّعة بأحجار القلاع القديمة، إنَّه حجر تاريخي ناطق في هذه البقاع المسحورة، بالنبات والشجر والطير. كم تُسحرني البحيرات والأنهر الصغيرة والمرتفعات المكتسية بالنباتات، كم تجذبني مقاهيها الكردية، ذات الشاي الأسحم، والتخوت الخشبية العتيقة. أنزل من مركبة لأشرب الشاي في مقهىً يعجُّ باللباس الكردي المميز، لباس عريض يسمح للهواء بالتجوال بين فتحاته وخيوطه القطنية، عمامات لافتة أيضاً، من اليشماغ الأحمر والأسود المتواشج مع الأبيض، روائح الأسواق تهب عليّ من بعيد، ولكني لا أستطيع الترجل، لألامسها وأتملى هبوبها، فأنا في طريقي الى السليمانية، حيث الهوى بين جبالها المحيطة يرقُّ، حتى تراه يتكسر بين أصابعك في ربيعها وأصيافها الجميلة. في الطريق أمرُّ بقرىً صغرى تبعث اليَّ رسائلَ من نسيم، أفتحها في وجهي وأقرأ العذوبة وسطورها المتموِّجة، قرىً على مدِّ البصر، يأنس لها الليلُ، ويألف مرابعها الجمال، السيارة تحاذيها وتكاد تدهس هواءها. أمرُّ بثكنات عسكرية قديمة تذكرني بعهود بائدة وحروب مرت عليها، تجرجر بارودها وأسلحتها فوق تراب هذه الأراضي البديعة والطازجة، والجريحة ايضاً في أزمنة فائتة، أمرُّ على الهوى المُعسكِر في ضواحيها، وأمرُّ بقطعان ماشية ورعاة جبليين، يتمنطقون أسلحة بدائية، ماشيتهم ترتعي في أرض يانعة دائماً، لا يباس هناك، لا مَحَلَ وقفر وأسباخ، بل ينوع دائمي، مُزهر ومُخضوضر، يحرسه الهواء المنعش ومياه السيول والأنهر الفرعية المتفرعة من الفرات، وتحرسه الجبال العالية، وهنا أتذكر الغناء الكردي الممزوج بالفارسي والتركي، كم هو جميل بتعدِّد مساحاته ومقاماته، كتعدُّد هذه الأباطح، كتعدُّد هذه القرى الرقيقة، كتمدُّد هذه السيول الكريستالية الجارية في القلوب .
سدّ دوكان
تقف المركبة التي تقلني الى السليمانية، ونحن نقطع الطريق القديم والملتوي على السفوح الجبلية، نقف عند تعرُّج جمالي التفَّ حول خاصرة الجبل لنصل الى «دوكان»، فهنا سنرى الفتنة كيف تجلس بكلِّ أبهة في «سدّ دوكان». انه سدّ ولكنه نسخة مصغرة من البحر، بحر رائق وصاف، يهجع في أسافله طعم الفيروز وشكله السماوي الذابل في قاع أمواه السَّد. ننزل لنتملاه ونجس العذوبة الراسبة في الهواء، ونحصي مكامن الزرقة وهي تطفو على جوانبه، يا لجمال «سدّ دوكان» يا للبداعة وهي ترمي مراسيها في هذه الضفاف. ثمة من يرمي جسده الفتي والممشوق من فوق سطح الجبل، ذاهباً كالسهم باتجاه هذه المياه الماسية، إنهم فتية مغامرون، ينقذفون من عَلٍ إليه، فهم يقيناً سبّاحون مهرة، يخترقون سكون السَّد، ويحرِّكون الرَّغد المترسِّخ فيه …. ثمة بيوت سياحية في المدينة، تقوم على كتف نهر مدينة دوكان، ثمة مقاصف وتاريخ شِواء، يقوم قرب هذه الضفاف المستلقية بين الصفصاف والأثل والقصب المتمايل في الريح. يأتي الناس ليقضوا ليلة أو أكثر بين هذه الخمائل الشفيفة، أناس يمدُّون الخِوان، ويوقدون الأحطاب لتعلو رائحة الشواء، وتعبق في الأجواء، حتى يتعطر الجوُّ برائحة لذيذة، يشربون ويغنون ويأكلون. لقد تعب الكرد من الخطوب والحروب والمصائب، وهم الآن في غنىً عنها، رغم أنهم لا يفتأون يحاربون من يحاول قرع بابهم، ولقد رأيناهم كيف حاربوا داعش وأخواتها وضحوا بما ملكوا، لينتصروا في المآل مع من حاربها من عرب مسلمين ومسيحيين، وكذلك أزيديين وطوئف ومذاهب أخرى على هذا الوحش الذي تمدد في غفلة من التاريخ في كل من العراق وسوريا.
هو المأوى
تمرُّ المركبة وسائقها الشاب «رانجا « متمرس بطبيعة السبيل الذي نسير عليه، وبطبيعة الجبال وأحوالها، يحدثني كثيراً عن المعنى والجوهر والإكسير الكامن في عمق الجبل وداخل نسيجه الصخري، فيقول الجبل هو أخ كبير للكردي وحاميه، هو سند ومعاون ومأوىً ايضاً، أنه بيت الكردي الدائم مرة كنت فوق قمة جبل، لأستطلع كيف كان الكردي يعيش بين هذه السفوح والمنحدرات وبين هذه الطبيعة الصخرية المدافة مع السحاب، فوجدت الغيوم قريبة من يدي وكان باستطاعتي قطافها .
السليمانية
نصل الى السليمانية مساءً، أفتش عن العلامة التي تبشرني بالدخول الى السليمانية، فلم أجد تلك العلامة، أو الرمز، وأعني «سايلو» الحبوب الذي كان يقدِّم القمح مطحوناً الى أهل السليمانية لكي يصنعوا خبزهم اليومي عبره، لقد هُدَّ «السايلو» الذي أحبَّه الأكراد كرمز ودليل وعلامة على وجود النعمة وتوفرها كمَدَد آتٍ من الحقول المتاخمة للبلد .فهنا الحداثة هي المسؤولة، والتقدُّم العمراني الحديث هو الذي يسري قانونه، لقد فُجِّر هذا الصِّرح الشامخ، قبل قدومي بأيام، وكان أهل السليمانية حزانى عليه، فهنا سيتمّ إنشاء محلات كبرى للتسوُّق، لتدخل «المولات» بلدة السليمانية، هذه البلدة التي كانت عبارة عن قرية جميلة وأنيقة، قبل دخول العولمة وتحولات الحداثة فيها .
من الجبال إلى المولات
كانت السليمانية التي زرتها للمرة الأولى وأنا في الرابعة عشرة، تتكون من جبل ومقهى ومبنى البلدية، ومستشفى ومدرسة وحلاق ومخبز وبضعة دكاكين للعطارة، وحين كبرت قليلاً وزرتها لساعات وأنا في مطلع العشرين مع الصديق الشاعر زاهر الجيزاني، في رحلة استطلاعية لبعض المحافظات الشمالية والجنوبية، كان قد لحقها القليل من العمران، كون الاكراد كانوا منشغلين بالقتال في أعالي الجبال، وكانت الحكومات العراقية المتعاقبة، تعاقب الأكراد وتتصرَّف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بأمورها، وكانت الحكومات ايضاً منشغلة مع الأكراد بحروب مستمرة، استنزفت الطرفين المتحاربين، ليسقط أبناء البلد الواحد في سوح القتال، ويذهب الجميع هباءً. أما الزيارة الثمينة والمهمة فكانت في مطلع التسعينيات، يوم ذهبت اليها بدعوة كشاعر وصحافي، لأقوم بنشاط أدبي وشعري هناك، فرأيت السليمانية عن كثب، وكانت يومها تتمدَّد بالتدريج وتتطور، فالدكاكين المعدودة أصبحت سوقاً كبيراً، والفندق الواحد أصبح أكثر من عشرة، أما الآن، فالسوق أخذت تتفرع منه أسواق عدة، متخصصة وكبيرة ببيع كل ما تريد وتسعى اليه من حاجات ومتطلبات، والمستشفيات تعدَّدت والصيدلية الواحدة راح يُزهر منها في شارع واحد العديد من الصيدليات، وثمة لوحات تشير الى العديد من الأطباء المتخصِّصين كلٌّ في مجاله، والمقهى الواحدة، وهي مقهى «الشعب» أنشئ منها المزيد وعلى الشاكلة ذاتها، من ناحية التصميم والبناء، والمطعم الوحيد، بات يُفرِّخ مطاعم لا تحصى، دكاكين للحلويات والعطور والعسل والأجبان، والشاي والسكر، سوق للخضار والفواكه واللحوم، افران مختلفة للخبز والكعك والبقصمات والعجائن المحلاة، حلاقون كثيرون وباعة ملابس أكثر، محلات لعرض أحدث الهواتف النقالة، وباعة ذهب وفضة واكسسوارات تملأ المحلات والأرصفة ، باعة صابون حلبي، وجبن تركي وكردي وإيراني، وقيمر عراقي، ومواقف سيارات وحافلات تأتي من أربيل وكركوك والموصل ودهوك وبغداد وإيران وحلب وديار بكر واسطنبول وأنقرة، مكتبات نقالة تملأ الأرصفة باللغة الكردية وبعضها بالعربية، مكتبات في بنايات وأقبية، أنزل دائماً اليها، باحثاً عن كتاب أقرأه.
السليمانية الأخرى
أحببت السليمانية كثيراً، فهي مدينة رئيفة، يُشذِّب الحنان أطرافها. في العصاري أجلس اقرأ، وأتأمل الجبل، ألعب مع حفيديَّ وهذا ما يسرِّني كثيراً، ويمنحني الكثير من الدعة والمرح والطاقة لمواصلة الحياة وعبثها، استغرق احياناً في المسير بين الجبال، أو بين الأسواق، لَكَم تُسعدني الأماكن التي أراها للمرة الأولى، لكم يُبهجني التطواف بين الينابيع والبحيرات والسدود والسفوح المغطاة بالسوسن البري والنُجيل، وزهور شقائق النعمان الموجودة بكثرة في البراري الكردية .أحياناً اقترح على من هم في البيت الذهاب الى الجبال، الى الذرى، لنكون هناك مطلين من القمم على الأمكنة الغارقة في الشمألِ، حين ينسكب الهواء عليلاً من الأعالي على أهالي السليمانية الجالسين تحت السفوح قرب شجيرات التوت، منغمسين بحياتهم ومشاغلهم اليومية، يخبُّون بسراويلهم العريضة التي تعبُّ النسيم، ولفَّات عمائمهم التقليدية، في أيديهم سِبح طوال، أحجارها زكية وثمينة، وفي الجانب الآخر ثمة السليمانية الفقيرة والتي تبحث عن عمل، الشباب فيها كثيرون وتراهم دائماً يتساءلون عن عمل، فالبطالة موجودة حيثما وليت وجهك، ولا سيٍّما في بلد يشكو من اقتصاد متدهور وشحٍّ في المال وفساد في الإدارة .
٭ شاعر عراقي
هاشم شفيق