من منا الأكثر عنصرية… نحن أم هم؟

استحضرت وأنا أطالع خبر انتخاب المسلم من أصول باكستانية صادق خان، ابن سائق الحافلة، عمدة لمدينة الضباب لندن في حدث غير مألوف، ما رواه لي صديق من «طائفة المثقفين»، صار اليوم وزيرا في الحكومة التونسية الجديدة برئاسة الحبيب الصيد، عن التسامح في «البلاد المنخفضة» التي قضى فيها ردحا من الزمن اقتضته الضرورة، وتحديدا بالمدينة الميناء روتردام. حكايات تركت في نفسي وأنا أستمع إلى سردها من هذا الصديق مزيجا من الانبهار والإعجاب بالآخر، والحسرة والأسى على حال مجتمعاتنا.
فمما تناهي إلى مسامعي من هذا الصديق، أن المؤسسات التعليمية الإسلامية في تلك الربوع تخضع لإشراف الدولة الهولندية العلمانية، الكافرة، في نظر طائفة من أبناء أمتنا، وهي التي تتولى الإنفاق عليها ورعايتها، على غرار المدارس التابعة لباقي الطوائف.
وأن مشرفين على إحدى الكنائس التي قل عدد روادها «المؤمنين» قرروا أن يهبوها لجالية تدين بإحدى الديانات السماوية لتحويلها إلى دار للعبادة، ووقع الاختيار على الجالية المسلمة باعتبار كثافتها في روتردام، ومكنها هؤلاء من تحويل الكنيسة إلى مسجد في عقر دار «أوروبا المسيحية»، وبدفع من أهلها الذين لا تسلط بعض وسائل إعلامنا المحرضة الضوء، إلا على العنصريين منهم، المنتمين إلى اليمين المتطرف على غرار المدعو خيرت فيلدرز.
وفي روتردام أيضا نجح في وقت ما المغربي أحمد أبو طالب في أن يصبح عمدة للمدينة الميناء وهو الذي وصل إلى البلاد المنخفضة قادما من أقصى بلاد المغرب، وقد تجاوز عمره السبع عشرة سنة، أي أن الرجل كان حديث عهد بالإقامة في تلك الأرض المتسامحة عندما زكاه حزبه كمرشح، ورغم ذلك نال ثقة ناخبيه من مختلف الديانات، خصوصا من الأغلبية المسيحية التي لم تر حرجا في انتخاب مسلم من أصول مغاربية.
ومن المفارقات أن هذا الصديق التونسي رشحه أيضا حزب هولندي، وفي وقت سابق في قائمته لعضوية مجلس محلي، ولم تعترض أي جهة على هذا الترشيح ونال صديقنا ثقة الناخبين ووصل إلى مبتغاه. في حين أنه، وبعد عودته إلى تونس بعد الإطاحة بنظام بن علي، انتمى إلى حزب سياسي تونسي، ورغب في الترشح على رأس القائمة المخصصة للولاية التي ينتمي إليها، فقوبل ترشيحه بمعارضة واسعة، وأرسلت الوفود من متحزبي الولاية للقاء رئيس الحزب بالحاضرة للاعتراض على هذا الترشيح بتعلة أن القبيلة (أو العرش كما يسمى في تونس) التي ينتمي إليها هذا الصديق المرشح، صغيرة الحجم من الناحية العددية، بعد أن شتتها التقسيم الإداري لدولة الاستقلال التونسية على ولايات ثلاث.
ليس بالأمر الهين أن يدفع بك الآخر إلى رأس قائمته ويمنحك ثقته ويفوضك على مصالحه ويأتمنك على بلده أو مقاطعته، وأنت الغريب «الملون» القادم من وراء البحار والصحارى المترامية. كما أنه ليس بالأمر الهين أن ينبذك أبناء جلدتك ويرفضون قبولك قبولا حسنا، ويحولون دونك والوصول إلى أعلى المراتب بسبب رواسب قبلية مقيتة اعتقدنا في تونس وفي غيرها من البلدان أنه قد تم تجاوزها منذ السنوات الأولى التي تلت الاستقلال والتحرر من ربقة الأجنبي الذي جثم على الصدور لعقود.
في بلداننا أعداء النجاح كثر، أو ربما هم الغالبية الغالبة، بداية من العائلة وصولا إلى المجتمع، ومرورا بالعرش أو العشيرة أو القبيلة، ونحن باختصار جماعات بشرية لا توفر ممهدات النجاح لأقرب الأقربين فما بالك بالوافدين. فكم من عبقري قبرت مواهبه في مجتمعاتنا حتى اندثر واندثرت معارفه ولفه ولفها النسيان، وكم من سياسي فذ ساقه قدره وحظه العاثر في الولادة والنشأة إلى بلداننا التي تعددت فيها أساليب وطرق الوصول إلى الحكم، ما عدا تلك التي تعتمد الكفاءة، فلم يتمكن من التموقع في المكان الذي يستحق الذي احتله باعة الذمم والأجساد وخلان وأقارب هذا المسؤول أو ذاك، وسمار لياليه. فأغلب مجتمعاتنا من أصول بدوية دخلت لتوها عصر المدنية والتحضر بعد أن جبلت على اعتبار الآخر المنتمي إلى العائلة أو القبيلة أو الوطن منافسا وجب هزمه والقضاء عليه والإمعان في إذلاله والشعور بالنخوة والسعادة في حال فشله. وقد كان من المفروض أن يتم التعامل بمنطق الشراكة والتعاون مثلما هو حاصل في المجتمعات التي انتخبت صادق خان وأحمد أبو طالب، خاصة أن في بلداننا كثيرا من أمثال هذين الرجلين، سواء من السكان الأصليين أو من الوافدين.
فلن يطالك من البدوي، الذي تعرضت لشخصيته دراسات اجتماعية عديدة، إلا التباهي بالأملاك والمكتسبات إمعانا في قهرك وإذلالك لينتابه شعور التفوق وتتضخم «أناه» المريضة، وأنت في نظره المنافس الذي لا يمكن أن يرتقي إلى مرتبة الشريك في المجتمعات المدنية. وحتى إذا تكرم عليك وبالغ في الإحسان فمن أجل إذلالك أيضا، ليبادر إلى تذكيرك بالمن والسلوى كلما سنحت الفرصة أو شعر أنك بصدد التفوق والإرتقاء، يحركه منطق القبيلة والثأر والرغبة في سحقك، والتي تحركها بدورها عقد ورواسب نفسية أمعن علماء النفس والاجتماع في دراستها وتبيان أسبابها. مازالت مجتمعاتنا في عمومها بعيدة عن الحضارة وعلى إنتاج أمثال صادق خان وأحمد أبو طالب وربما باراك أوباما وفضيلة عمارة ونجاة بلقاسمي في فرنسا، ممن ولدوا في عائلات متواضعة ومن أعراق مختلفة عن بلدان الإقامة وكافحوا وناضلوا وفرضوا أنفسهم من خلال الكفاءة وحدها. فمجتمعاتنا إما عنصرية منغلقة متقوقعة على ذاتها، وإما بدوية همها سحق الآخر وإذلاله والحيلولة دونه والنجاح.
فالأوروبيون يتكاملون ويندمجون ويبنون ويشيدون بعقلية تشاركية تجعل القوي منهم يأخذ بيد الضعيف لدفعه للالتحاق بالركب لأنهم ولجوا إلى المدنية مبكرا ومن أوسع الأبواب، أي الثورات العلمية والتكنولوجية وتلك التي بوأت الإنسان المكانة التي يستحق. أما عندنا فالكل في البداوة متنافسون، هذا يستغل أزمة شقيقه للهف زبائنه في مادة الفوسفات أو للسطو على استثماراته والمتعاملين معه في مجال الجذب السياحي، وذاك يكثف من إنتاجه النفطي لتخفيض الأسعار إضرارا بجاره، وكل بما لديهم فرحون.
إن المتأمل في حال ذوي البشرة السوداء من التونسيين على سبيل المثال، والذين يمثلون قرابة الخمسة عشرة بالمئة من عموم الشعب، يدرك حقيقة مفادها أنه بيننا وبين الحضارة سنوات ضوئية، وأننا أبعد ما نكون عمن رشح وانتخب صادق خان. فهذه الفئة المضطهدة (ذوي البشرة السوداء) التي تنعت بعبارات عنصرية في وطنها وترفض غالبية العائلات التونسية مصاهرتها، لم يسبق أن تبوأ أحد المنتمين إليها منصبا رفيعا في الدولة التونسية رغم أن مجانية التعليم التي أرستها دولة الاستقلال قد طالتها على غرار باقي المكونات التونسية، وتمكن أبناؤها من الدراسة ونيل أعلى الشهادات في بلد كان سباقا على العرب والمسلمين وعلى عديد البلدان الغربية ومنها فرنسا والولايات المتحدة في إلغاء العبودية.
لقد دأبنا على اتهام الغرب بالعنصرية وسرت هذه الاتهامات بيننا سريان النار في الهشيم حتى اعتبرت من المسلمات بعد أن تناقلتها الأجيال. وإن كانت بعض مظاهر العنصرية راسخة في عدد من البلدان الغربيــة ولا يمكن إنكارها، إلا ان مجتمعاتنا لا تبدو أفضل حالا من نظيرتها الغربية، بل لعلها أشد سوءا في هذا المجال، خاصة بعد أن أصابنا التطرف الديني الكاره للآخر والحاقد عليه والداعي لإبادته، في مقتل، ووجد في بيئة البداوة حاضنة له وأصبح الخروج من هذا المستنقع يتطلب عملا مضنيا.

٭ كاتب تونسي

من منا الأكثر عنصرية… نحن أم هم؟

ماجد البرهومي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية