الفول يسكن قصور الأثرياء

حسام أبو طالب
حجم الخط
0

صديق المصريين يغدر بهم

القاهرة-“القدس العربي”: يمثل طبق الفول بالنسبة للمصريين أول ما يلتقونه في الصباح “الصديق الوفي”. فقد ظل على مدار عقود بمثابة الحل المتاح في أحلك الظروف والملاذ بالنسبة للأغلبية الفقيرة على طول البلاد وعرضها قبل أن تخرج الأمور عن نطاقها ويعرف الغلاء طريقه للسلع كافة.

تدين الطبقة الوسطى والكادحة على حد سواء لطبق الفول بالجميل لكونه لعب دور البطولة على الدوام في حياة الأغلبية وشل حركة غضب أمعائهم بقروش قليلة طيلة أعمارهم، غير أن الأمر لم يظل وفق ما كان يحلم به اولئك الذين ناضلوا طيلة حياتهم كي يحافظوا على الهامش الذي منحه لهم القدر، فقد عرف ذلك المحصول الجنون وبات متمرداً على الأغلبية مفضلاً سكن القصور بعد أن ارتفع سعره لأرقام فلكية. ويعتبر الفول من أقدم البقوليات في مصر، حيث يرجع تاريخ استخدامه كطعام إلى العصر الفرعوني، استنادا لذكره في القرآن الكريم في سورة البقرة. عندما طالب بنو إسرائيل سيدنا موسى أن يطلب لهم من الله طعاما تنتجه الأرض معترضين على الطعام الذي ينزل إليهم من السماء “المن والسلوى”.

من أزقة القاهرة وشوارعها الشعبية وبسبب الغلاء والجنون الذي عرف طريقه للمحصول وارتفاع الخدمات والضرائب، اضطرت المطاعم الشعبية وعربات الفول المنتشرة في كل مكان إلى التحول.

الفول بأنواعه

“الجحش” هو أقدم محلات الفول على الإطلاق وله سمعة جيدة في منطقة السيدة زينب، ويفتخر أصحابه أن زبائنهم من بينهم سياسيون ومثقفون ودبلوماسيون عرب ومصريون. ومن أبرز من كانوا يترددون عليه في السابق الفنانين عادل امام وصلاح السعدني ونور الشريف. ويقدم المطعم الفول بأنواعه، مثل الحار وبالزبدة وبزيت الزيتون وبالسجق والطعمية، فضلا عن البطاطس والبابا غنوج والمسقعة، وتتراوح أسعاره من جنيهين إلى 10.5 للطلب. وإذا كنت من بين الكادحين وليس في جيبك سوى جنيهات معدودة وتشعر بالجوع فليس أمامك سوى “سعد الحرامي” الذي يتخذ من شارع شامبليون مقراً لمطعمه الشعبي الذي يحظى بتقدير خاص بين العمال والطلبة والشباب من الصحافيين والأدباء، حيث ظل محتفظاً بمستواه الجيد وأسعاره التي في متناول الجميع ويبعد الحرامي عن ميدان التحرير بنحو 5 دقائق سيراً على الأقدام، ويشتهر بتقديم جميع أنواع الفول، فضلا عن الشكشوكة والسلطات والباذنجان. تقع عربة فول محروس في غاردن سيتي، ويقدم “محروس” الفول بأنواعه والطعمية والسلطة والبيض المدحرج، أو المسلوق.

توجد عربة فول حمادة شيراتون في شارع التسعين في التجمع الخامس، ويقدم أطباقا متنوعة مثل الفول والطعمية والبطاطس والعجة والمسقعة والباذنجان، بأسعار تصل   20 جنيها للطلب. أما عربة فول ومبي في شارع الوحدة أكثر أحياء القاهرة شعبية وكثافة وهو حي إمبابة، فيقدم طبق الفول بجودة مميزة جعلته من أشهر بائعي الفول في إمبابة. ويفضل العاملون في المقطم عربة فول مرزوقة التي يقدم صاحبها مختلف أنواع الفول.

تلوث

ومن أشهر المطاعم التي ازدهرت في القاهرة والإسكندرية مطعم “تلوث” و”نتانه” الأول في المهندسين والثاني في الإسكندرية، فيما يعترف المشرف على مطعم “العبيط” للفول والطعمية، أنه اختار اسما لافتا من أجل جذب الزبون وذلك بعد أن اكتشف أن أسماء المطاعم الغريبة تحظى بإقبال منقطع النظير وفخر العمال بالمطعم أن من أشهر زبائنهم كل من الفنانين محمد هنيدي وأحمد السقا وباسم سمرة وهيفاء وهبي والفنان مصطفى شعبان.

الأصل فلسطيني

كشفت الحفريات الأثرية أن الفول كان يستخدم منذ 6500 سنة قبل الميلاد في فلسطين وأيضاً في بلاد ما بين النهرين. وبعد نحو 3000 سنة عرف الفول طريقه لدول حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال افريقيا ومصر الفرعونية والسواحل الأوروبية الجنوبية كاليونان وإسبانيا وإيطاليا وغيرها، كما استخدم الفول قديما من قبل سكان شمال الهند والصين وكان يقدم أيام الإمبراطورية الرومانية التي استغلت جميع أنواع الخضار والحبوب للحفاظ على قوتها. وتشير الدراسات التاريخية المعنية بالحضارات إلى أن تاريخ الفول يعود إلى العصر الحجري الحديث وقد بدأ استخدامه في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية من قديم الزمان، وقد تعرف عليه كريستوفر كولومبوس في جزر البهاماز حيث كانت تتم زراعة أنواعه بانتظام وبأساليب متطورة.

يعد الفول أحد الأطعمة اليومية منذ بداية العصر الفرعوني، إذ كان يطهى بواسطة طمره في رماد الأفران، لذا عرف أولاً باسم “متمس” ولاحقاً عرف بالمدمس لواقعة سنتحدث عنها، ويشاهد على جدران المقابر رسومات للمحاصيل الزراعية التي كانت تقدم للإله آمون ومنها الفول، كما كان الفراعنة يطهون الفول ويسمونه “بيصورو” وهي “بيصارة” التي نعرفها الآن ويقبل عليها العامة وتطهى على نطاق واسع في عموم البيوت المصرية خاصة الفقيرة منها، أما في بيوت الأثرياء فتعد من قبيل التغيير لا أكثر. وقد استخدم الفول في مصر القديمة كبديل غذائي عن اللحوم أحيانا، بجانب حمص الشام.

اختراع “المدمس”

منذ بداية عهدهم مع تلك الوجبة، اعتاد المصريون القدماء طهي الفول في قدر كبير. كانت تصنع أول الأمر من الفخار، ثم النحاس، إلى أن أصبحت تصنع من سبائك من معادن شتى. وتشير إحدى الروايات الشعبية إلى أن رجلاً يونانياً يدعى ديموس كان يعيش في حي مصر القديمة، وكان يمتلك حماما عموميا يحتوي على مستودع لحرق القمامة من أجل تسخين المياه. قرر ديموس استغلال اللهب الناتج عن حرق المخلفات والقمامة في طبخ الفول، فوضع قدر الفول بين المخلفات المشتعلة حتى تنضج، وبالفعل كانت النتيجة على النحو الذي أدهش الكثيرين، الأمر الذي انتشر بين المصريين وقتها، وأطلقوا على ذلك الابتكار في طهي الفول “مدمس” نسبة لليوناني ديموس.

الضيف الدائم

ويزداد الاهتمام والإقبال على الفول المدمس بشكل خاص مع قدوم شهر رمضان المعظم ويحل الفول ضيفا دائما على معظم الأسر المصرية وخصوصا في السحور. ويعرف أهل السودان كذلك الفول إذ ينتشر فيما بينهم ويطلق عليه من قبيل الدعابة “حبيب الشعب” لكنه يسمى “البوش” وتتم إضافته للبن الرائب أو الطماطم.

انفلات الأسعار

وإذا كانت عربة الفول مأوى الفقراء فهي بالنسبة لبعض أصحابها الطريق نحو عالم المليونيرات، وبينما أصبح الكساد ووقف الحال يواجه العديد من أصحاب المحلات، ظل الفول يمثل للأغلبية الفقيرة السند وحائط الصد عن العوز وصمد ضد تقلبات الحياة وحافظ على انخفاض سعره طيلة أزمنة الملكية والجمهورية. ولكن الوضع انقلب رأسا على عقب خلال الأعوام الأخيرة وبدأ الصديق الوفي يعاند الفقراء متحركا لأعلى حتى جن جنونه في العام الأخير وتجاوز سعره قيمة الدجاج وأصبح سلعة عسيرة المنال وانتهى بالكثير من المواطنين الفقراء للبحث عن بديل له غير أن سائر المحاولات فشلت، وذلك لأن كل السلع تحركت لأعلى. ولأن الحكومة تدرك أن الفول سلعة استراتيجية يمثل اختفاؤها تهديدا لاستقرار المجتمع والحالة الأمنية، فقد سعت للتعامل مع المشكلة غير انها حتى الآن لم توفق على الرغم من قرار أصدره البنك المركزي أخيرا يقضي باستثناء الفول من الغطاء النقدي وهو ما يعني السماح باستيراده مع التزام الحكومة بتوفير النقد الأجنبي للمستوردين.

وأرجع الصاوي أحمد حسين عبد الرحمن، نقيب الفلاحين، أسباب ارتفاع أسعار الفول لاحتكار المستوردين له وتقلص المساحة المزروعة، وطالب الحكومة بمحاسبة المحتكرين والتوسع في الاستيراد. ولفت إلى أن سعر طن الفول البلدي بلغ 30 ألف جنيه، وأشار إلى أن الاكتفاء الذاتي من الفول أمر ممكن بوضع خطة زمنية محددة وتوفير البذور الكافية ذات المواصفات المقاوِمة للأمراض والحشرات الضارة، وإرشاد المزارعين لطرق الصيانة الأفضل بالنسبة لأراضيهم. وكشف عن “أن المحتكرين يسيطرون على سوق الفول في مصر لأننا نستورد 80 في المئة تقريبًا من احتياجنا من الفول في ظل غياب كامل لدور الجهات المعنية، سواء وزارة التموين أو الزراعة لإحداث توازن، إما بالاستيراد أو بالزراعة، لذا نطالب الجهات المعنية بالتدخل السريع لإنقاذ وجبة الفقراء من سطوة ونفوذ المستوردين الذين يتاجرون بمعاناة الأغلبية الفقيرة من خلال احتكار الفول”. وعزى التجار الأمر لانخفاض المساحة المزروعة من الأراضي بشكل كبير فيما تضيف الجهات الرسمية سببا آخر يتمثل في الارتفاع العالمي في سعر المحصول.

بديل اللحوم

يتراوح حجم استهلاك المصريين من الفول بين 1300 و1500 طن يوميًا، وتشير تقارير موثقة أن 90 في المئة من إنتاج الفول العالمي يدخل مصر ويتم استيراده من دول الاتحاد الأوروبي، مثل دول البلطيق وليتوانيا واستونيا ولاتفيا فضلاً عن انكلترا. ويبلغ الإنتاج العالمي من الفول قرابة 800 ألف طن، وخلال حقبة الثمانينيات وبداية التسعينيات كانت مصر بين الدول المصدرة للفول لبعض الأسواق الخارجية، بما فيها بعض الأسواق الأوروبية، حتى انتهى بها الأمر بعد تقلص نسبة الأراضي الزراعية للتحول نحو الاستيراد. وتسبب ظهور مرض “الهالوك” وبعض الفطريات الأخرى لتراجع الإنتاج بنسبة كبيرة. وتبلغ أسعار الفول الأوروبي بين 350 دولارًا للطن، وهو ما يعادل نصف سعر المنتج المحلي وكانت مصر تزرع 400 ألف فدان من الفول البلدي حتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي وكان المحصول يكفي حاجة المواطنين حتى تعرضت الزراعة للانهيار بالتدريج بسبب إصابة محصول الفول بالأمراض والحشرات التي أسفرت عن خسائر فادحة للمزارعين الذين انصرفوا عن زراعته ليفتح الباب على مصراعيه أمام المستوردين. ويتوقع التجار انفلات الأسعار صعوداً لأعلى مع اقتراب شهر رمضان حيث يتضاعف الاستهلاك لكون الفول ضيف يومي على موائد المصريين أن لم يكن في الإفطار ففي السحور. وتستعين الأسر المصرية بوجبة الفول في وجبة السحور لما تحتويه من الفوائد التي تجعل الجسم قادرا على الصيام بدون الإحساس بالجوع أو الضعف. ويعتبر البقول غنيا بالبروتينات والأملاح المعدنية مثل الفسفور والحديد وبديلاً عن تناول اللحوم وهو من الأطعمة التي تخفض ضغط الدم والسكر كما يساعد على تخفيض نسبة الكولسترول في الدم.

بياع الفول

وقد تغنى بالفول عدد من المطربين خلال فترة الستينيات والسبعينيات مثل المطرب الشعبي عبد العزيز محمود في أغنيته “بياع الفول” ثم الدويتو الشهير للفنانة صباح وفؤاد المهندس “أنا صايم” وغيرها من الأغاني التي تبرز قيمة الفول لدى المصريين وخاصة في شهر رمضان الكريم. ومن أبرز من غنوا للفول والطعمية الفنان الشهير الراحل محمود شكوكو والذي قدم أغنية شهيرة في هذا المضمار غنّاها أمام ليلى مراد، في فيلم “عنبر” بطريقة ابن البلد.

كما احتفى السينمائيون بالفول لحد إطلاقه على أسماء بعض أعمالهم الفنية ومن بينها فيلم “الفول صديقي” وتدور أحداثه حول أبو زيد الهلالي الذي يبيع الفول والفلافل، ويقرر الانتقال إلى الزمالك. الفيلم من إخراج حسين الوكيل ومن تأليف محمد عفيفي وسيناريو وحوار إبراهيم الموجي. كما قدمت عشرات المسلسلات التلفزيونية شخصيات لها علاقة بالمهنة.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية