لندن ـ ‘القدس العربي’: هربتُ برهةَ من وحشية الحوادث اليومية، إلى ‘الطوشة’ التي أثارها الفنان زياد الرحباني بزجه السيدة والدته في الآعيبه السياسية. وقرأتُ مجموعة من المداخلات الصحافية ـ الورقية ـ وخرجت منها بانطباعات متفاوته، وارتحت إلى بيان ريما الرحباني لأنه وضع الأمر في نصابه نوعا ما.
بدأ إعجابي بزياد منذ إطلاعي على ‘صديقي الله’ كتيب بقلم الصبي المقبل على الدنيا، متطلعا إلى الأعالي، وتابعت مسيرته على هامش أعمال الأسرة الرحبانية أولا، ثم بعد إنتقاله إلى متنها، وُأتيح لي معرفة رأي ‘الأسرة’ بمواهب ‘الطفل المعجزة’ .. مواهب جاء التمثيل أولها، قالت الأسرة إن زياد ممثل بالفطرة قبل كل شئ، وأثبتت الأيام سلامة هذه الرؤية.
ولما ضرب زلزال حروب الطوائف لبناننا، واستحكمت حروب الآخرين على أرضه في الربع الأخير من القرن العشرين، اختار زياد معسكره، ممارسا حقه الطبيعي. لكنه مع تفاقم عبثية الصراع، وغزو اسرائيل راح يغرق في أجواء أسهمت في إغتيال موهبته ‘الموسيقية’ أولا، مع استمرار تجلياته مسرحيا وإذاعيا،. إلى أن أجبرته ‘الظروف’ على الإعتكاف مدة طويلة نسبيا.
في طبيعة زياد الميل إلى اشعال الحرائق من آن إلى آن، من هذا القبيل ما قاله ذات يوم لأسبوعية لبنانية شهيرة : ‘لا تسألوا الأخوين رحباني عن علاقتهما بالمكتب الثاني’ (أي مخابرات الجيش اللبناني).
توقعتُ يومئذ أن يقدم عاصي ومنصور ‘لوحة غنائية’ عنوانها في بيتنا مخبر .. لكنهما لم يفعلا. أستعيد قول زياد هذا من أجل الإقتداء به فأقول: لا تسألوا المتمركس التقدمي عن علاقته بالتنظيم الطائفي المسلح .. كان المكتب الثاني يومئذ يتعاون مع الطوائف كلها، على الأقل، على نقيض غيره اليوم. على أية حال، من حق السيدة نهاد حداد أن تحب من تشاء وأن تؤيد من تشاء. وليس من حق نجلها الكريم التدخل في الأمر .. أما ما تناساه النجل، فهو أن ‘هيفاء’ يعيش، وزاد الخير، ناطورة المفاتيح، وغربة جبال الصوان، على سبيل المثال، هن مكونات ‘فيروز’ التي ظلمها زياد بإقحامه لقبها الفني الذي يجسد هذه الشخصيات كلها، التي تحفظها ذاكرتنا رمزا لمرحلة يندر تكرارها.
وياليته قال إن السيدة أم زياد تحب .. لكان وقعها أقل إثارة. فيروز ملكة تدمر زنوبيا، وملكة بترا شكيلا المحبوبة، ليس بوسعها أن تحب إلا الوطن والحرية وغير ذلك هراء كالجار الشرقي ..
كتب اخرون عن ‘مزاح زياد وحللوا طبيعته، وأود من جهتي أن أضيف أن مزاحه تزايدت حدته وعبثيته بإضطراد مع مراوحة إبداعه أو تراجعه وتناقص الجديد فيه. والعودة إلى برامج حفلاته في السنوات المنصرمة تشهد على تزايد التكرار’ والتنويعات ‘على أعمال ماضيه’ كما أشار الناقد عبده وازن عن زياد والكنيسة، وكيف أنه استعاد في 2013 ماكان قدمه في 1973، مع بعض اللمسات التي يفرضها مرور الزمن؟
مؤكدا ‘أن زياداً ابتعد عن تقليد المدرسة الرحبانية واجترارها’ ولو كان الأمر كذلك فلماذا اتعب نفسه بإعادة توزيع مجموعة لا أعرف عددها من أغنيات الأسرة الرحبانية؟ مما أدى إلى نفور كثيرين من تشويه تلك الأعمال، ومنها نحنا والقمر جيران .. قال لي موسيقى محترف : لم ينجح من إعادة التوزيع إلا أغنية سيد درويش ‘الحلوه دي’
وعن حفلته الأخيرة في جامعة البلمند 2013، تقول الكاتبة سوسن الأبطح’على صوت إنفجارات طرابلس، جاء زياد ليخرج جمهوره من كابوسه مزودا بما تضمه خزائن الأخوين رحباني من كنوز’ .. حتى في حفلة زوق مكايل (أواخر تموز 2013) كان التكرار سيد الموقف فأسمع الجمهور عودك رنان وغيرها من ‘قديمه المتجدد’ مختتما الحفل بأغنية تلفن عياش هذه الأغنية التي تزامنت مع اغتيال المهندس عياش في غزة الذي إغتالته اسرائيل، بعد أن نجحت في شراء عميل دس هاتفا جوالا ـ هدية إلى الضحية ـ سرعان ما انفجر عندما تلفن عياش. .. أليس من المستغرب الا يفطن المقاوم العريق والمناضل المتمركس إلى هذا التزامن كي لا يسجل على نفسه وصمة مخزية هو وجمهوره من الشامتين بمصرع عياش؟
يبدو أن قسما كبيرا من جمهور زياد يستسيغ ما يقدمه له، بدليل ‘نجاحه في إلقام هذا الجمهور ما سماه الجاز الشرقي. لابد أن الموسيقار زياد يعرف أن الإتجاهات الجغرافية لا صلة لها بتوصيف الموسيقى.
فالموسيقى الشرقية تعبير خاطئ، لأن كل أمة أو جماعة بشرية تتصف موسيقاها بخصائص محددة. فما الذي يجمع موسيقى اليابان وكوريا مثلا بموسيقى إيران وتركيا؟ وهي بلدان شرقية للناظر من أوروبا. ألم يوجد من يلفت نظر صاحب الجاز الشرقي (اللبناني) أن الناظر إليه من بغداد، لامن دمشق فقط، يعده غريبا. وأنه لا يوجد الا الناظر اليه من قبرص من يعده شرقيا؟
يعرف زياد لا ريب أن الجاز الأصيل، جاز المجتمع الأسود في الولايات المتحدة، هذا المجتمع المضطهد، والمهمش عنصريا إلى اليوم برغم ما جرى من تقدم قانوني. هذا الجاز عطاء المعاناة والألم والظلم الفادح، وليس مجرد آلات نفخ تفلح في ترويضها شفاه السود المليئة، ولا آلات وترية أو تركيبات لحنية …
وشتان بين جاز السود المتالمين وجاز الأوروبيين وغيرهم. وهذا الجاز الأوروبي ـ بعامة والجاز الشرقي على وجه الخصوص يفتقد الأصالة ـ إنه كالنقود المزيفة : مهما بلغ إتفاق تزييفها تبقى قيمتها دون قيمة النقد الحقيقي.
لعل تباطؤ إيداع زياد هو من أسباب لجوئه إلى الإستعانة ‘بالغازات المسيلة للدموع’ من أجل صرف أنظار جمهور المعجبين عن هذا الجانب عند موسيقيهم المفضل .. ومن هنا جاء (حب) السيدة فيروز الأخير. عندما اعادت لينا خوري في ‘مجنون يحكي’ زيادا إلى التمثيل تألق مؤكدا رأي والديه في مواهبه كممثل أولا. كتب جاد الحاج في الحياة (15/5/2013) عن احتفاء لندن بسيرة فيليب سالم، وأعاد إلى أذهاننا ما قاله منصور الرحباني عنه في العام 2002 : قل لهم يا فيليب .. نريد وطنا للإبداع .. ولا إبداع خارج العدالة، لا عدالة خارج الحرية.
يبدو أن إدراك زياد للعدالة والحرية قد اصابته تحولات حاسمة .. فالتحى والتحق بحلفاء زيفوا العدالة والحرية كما جازه الشرقي … ولا تسألوه عن دوافع زج ‘فيروز’ في هذا الأتون ..