يمكن أن يكون صحيحاً إلى درجة ما أن الله أرسل أنبياء ورسلاً إلى البيئة المعروفة اليوم بالعالم العربي – فلسطين والشام عموماً (أو بلاد الهلال الخصيب) مصر العراق اليمن شبه الجزيرة العربية، ويمكن توسيع النطاق النبوي أو (الجيوثيولوجي) ليشمل تركيا وبلاد فارس (إيران حاليا) وما جاورهما من بلاد الشرق – كما توصف في بعض كتب المؤرخين – بمختلف ديار شعوبها وقبائلها على مدى حقب من الزمن أكثر بكثير، حسب ما يرجح كثير من الباحثين – مما أُرسل لغيرهم من شعوب وقبائل الحضارات القديمة كالإغريقية والصينية والهندية وغيرها.
ويعتقد كثير من المؤرخـــين أن عدد الأنبــــياء والرسل إلى المنطقة المعروفة اليوم بالعالم العربي وتركيا وغيـــرها من بلاد الشـــرق وحــدها، فاق الخمسة والعشرين نـــبيا ورســـولا. والسؤال الكبير المرادف لهذه المعلومة المرجَّحـــة أو الافتراض، هو لماذا خُصـــت هذه البقعة من الأرض بالذات بهذا الكم الهائل من الأنبياء والرسل؟
وليس صحيحاً بالتالي ما يزعمه البعض، أن الله استثنى الشعوب والقبائل خارج شبه الجزيرة العربية وديار العرب الأخرى والمناطق المجاورة لها من إرسال أنبياء ورسل تصديقا لقول الله جل في علاه: ‘وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين’،
(النحل: 36). غير أن التركيز يبدو انه كان أكثر على شعوب وقبائل النطاق النبوي الشرقي عموماً. ويخاطب الله رسوله (صلى الله عليه وسلم ) في القرآن الكريم بقوله سبحانه: ‘ورسلاً قد قصصناهم عليكَ من قبلُ ورسلاً لم نقصصهم عليك’، (النساء 164). وقول الحق سبحانه كذلك: ‘وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ’، (غافر 78).
ولعل ذلك يفسر مثلاً ما يقوله كونفيوشيوس أحد فلاسفة الصين القدماء والأشهر بينهم قاطبة، الذي لا يزال له تابعون كثر يقول: ‘أحب لأخيكَ ما تحبه لنفسك’. وسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول ‘لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه’، والتشابه بين القولين يدل احتمالاً على أن مصدر كونفيوشيوس نبي ورسول منزل لأهل الصين، وسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم ) آخر نبي مرسل للعرب وللناس كافة والأنبياء والرسل، كما هو معلوم من الدين بالضرورة كان يوحى إليهم من الله. وقد يكون مصدر التشابه بين قول كونفيوشيوس والرسول الكريم، هوالفطرة التي جبل الله الناس عليها.
وكذلك التشابه بين قانون (حمورابي الملك البابلي 1730 1680 ق.م) ‘السن بالسن والعين بالعين’ مع القرآن الكريم في ‘.. وكتبنا عليهم فيها أن النفسَ بالنفس والعينَ بالعين والأنفَ بالأنف والأذن بالأذن والسنَّ بالسن والجروح قِصاص…’ (المائدة: 45) وتفسير التشابه هو نفسه المذكور أعلاه. يذهب كثير من المفسرين إلى أن الأنبياء والرسل الذين قص الله قصصهم في القرآن على نبيه الكريم سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) هم من كان يحتاج إلى معرفته العرب في بداية الدعوة وحتى اكتمال نزول القرآن الكريم، خلال ثلاث وعشرين سنة، وهم أنبياء ورسل النصارى واليهود وبني إسرائيل الذين أسلموا على يد موسى (عليه السلام) ضد رغبة فرعون مصر (والفرعون رمز للحاكم الظالم، وليس اسما له، وقد اختلفت الروايات التاريخية في تحديد اسمه وعلى الأرجح هو رمسيس الثاني). ويمكن أن يكون الأمر راجعا إلى وجود اليهود في المدينة وشبه الجزيرة العربية واليمن والعراق وبلاد الشام وغيرها، ووجود النصارى مثلاً في الحبشة (إثيوبيا حاليا)، وهي التي شهدت الهجرتين إليها هربا من ملاحقة قريش، وهي مجموعة قبائل مكة التي ينحدر الرسول الكريم من أهم قبائلها وهم بنوهاشم، ووجود الروم وهم أيضاً نصارى، ودليل ذلك أن سورة باسم ‘الروم’ في القرآن تعاطفت مع هزيمتهم على يد الفرس وبشرت المسلمين بأن الروم سيغلبون الفرس في مقبل الأيام ‘ألم ،غُلبتِ الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلَبِهِمْ سيغلبون في بضعِ سنين، لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون بنصرِ الله، ينصرُ من يشاءُ وهوالعزيزُ الرحيم’ (سورة الروم الآية: 1 5) مع أنه لم ترد في القرآن آية صريحة تتحدث عن أنبياء أو رسل إلى الروم، وإن كانوا أصبحوا نصارى باتباعهم السيد المسيح عليه السلام نظرا لوجودهم في معظم بلاد الشام وفلسطين ومصر حتى منتصف القرن السابع الميلادي، وهو تقريبا بدء الإسلام .
قد يبدو كل ذلك أو بعضه صحيحا نوعا ما، إلا أنه من وجهة نظرالنقد الديني قد تُثار تساؤلات من قبيل مثلاً، لَماَّ كان الإسلام رسالة عالمية لكل شعوب الأرض فما المانع من أن تتم الإشارة إلى الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله منذ خلْق آدم (عليه السلام) إلى الشعوب الأخرى من إغريقية وهندية وصينية وبابلية وغيرها، لتقرب الناس من غير العرب ومن غير الذين دخلوا في الإسلام في فترات مبكرة وترغِّبُهم في الإسلام ورسالته العالمية وتخلد تاريخ أنبيائهم ورسلهم.
لافت أن العداء مع (الفرس) كان واضحاً ربما لأنهم لم يكونوا من أهل الكتاب كالحبشيين والروم مثلاً .
من منطلق النقد الديني يمكن القول: إنه رغم أن (الفرس) من الناحية الجغرافية أقرب إلى بلاد العرب، بَيْدَ أن القرآن الكريم لم يأتِ على ذكر نبي أو رسول إلى الفرس، مع أن القرآن أكد من خلال الآيات الواردة آنفاً أن الله بعث في كل أمة رسولا. نظريا، يمكن أن يُعزى السبب إلى أن العرب يُحتمل أنهم لم يكونوا لِيهتموا بأخبار (الفرس) قدر اهتمامهم بأخبار اليهود والنصارى.
يفترض المعنيون بالدراسات الميثولوجية الدينية أنه في الأساس كان ثمة إله واحد (على الأرجح هو الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيوم) دعا إليه مختلف أنبياء ورسل الله إلى شعوب وقبائل الدنيا، بَيْدَ أن أنبياء ورسلاً معينين أو صالحين، كما يُشار إليهم أحيانا في مراجع الميثولوجيا، بعد أن ماتوا صنع لهم أناس من أنصارهم أصناماً ليذكروهم بهم كالأصنام أو التماثيل التي يصنعها الناس في أيامنا وفي غير أيامنا للقادة والمفكرين وغيرهم ممن تركوا في الحياة العامة أثراً ويضعونها في الميادين العامة لتخليد ذكراهم، أو تلك التي يصنعها قادة معينون، في الغالب ديكتاتوريون، لأنفسهم أثناء حكمهم وتوضع في الساحات الرئيسة لتكريس وجود سلطاتهم وتخويف الناس منهم. يخبرنا الله في القرآن الكريم من سورة نوح مثلاً :’ وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُم ْوَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ‘وأسماء الرجال الصالحين هنا (ود، سواع، يغوث، يعوق، نسر).
فهل سكان النطاق النبوي أو(الجيوثيولوجي) المشار إليه بكل هذا السوء الذي يجعل رب العالمين يرسل لهم كل ذلك العدد الكبير من الأنبياء والرسل؟ وهو العالم بعباده وخلقه جميعاً ‘ألا يعلمُ من خلقَ وهو اللطيف الخبير’ (الملك 14 ). وهو سبحانه لو لم يعلم حاجة قبائل تلك المناطق لكل أولئك الأنبياء والرسل لًما أرسلهم لهم.
ويتساءل بعض المهتمين بالدراسات الميثولوجية لماذا لم تحظَ شعوب وقبائل العالم الأخرى، كالإغريقيين القدامى مثلاً بأنبياء ورسل من الله مباشرة؟ هل لأن الله لم يكترث بوجودهم وسلوكياتهم، وهو الذي لا شك خالقهم، وحاشا لله أن يخلق الناس عبثاً ‘أفَحَسِبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون’ (المؤمنون 115)، أم أن الله عندما خلقهم أودع فيهم من الإمكانات والخصائص ما يغنـيهم عن إرسال أنبياء ورسل؟
فإذن هل شعوب الشرق من عرب وغيرهم وقبائلهم سيئون لدرجة أن الله لم يكتفِ فحسب بإرسال عدد كبير من الأنبياء والرسل لهم، وإنما أرسل آخر نبي ورسول عنده وهو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى شبه الجزيرة العربية وفي قلبها مكة المكرمة وإن كان برسالة عالمية للدنيا بأسرها؟
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري